الطريق إلي الإسلام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   1/11/2008, 10:20 pm

بسم اللـه الرحمن الرحيم




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . [ آل عمران - 102 ] .
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } . [ النساء -1 ] .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُـوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُـمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَـنْ يُطِـعِ اللـه وَرَسُولَـهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .
أما بعـــد ...
فإن أصدق الحديث كلام اللـه ، وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثــة بدعة وكل بدعــة ضلالة وكل ضلالة فى النار ثم أما بعد ..
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا الرابع عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة وكنا قد توقفنا فى اللقاء الماضى مع مشهد الحساب الرهيب المهيب فلقد تركنا العباد فى أرض المحشر وقفوا صفوفاً ، ينتظر كل واحد منهم أن ينادى عليه للعرض على الرب جل فى علاه ، ليحاسب اللـه عباده وفقاً لقواعد العدل التى ذكرناها وهى :
ألا تزر وازرةُُ وِزْرَ أُخرى .
العدل التام الذى لا يشوبه شائبة ظلم .
إعذار اللـه جلا وعلا لخلقه .
إقامة الشهود .
مضاعفة الحسنات .
تبديل السيئات إلى حسنات .
وبعدها يبدأ الحساب ، فيا ترى من هى أول أمة سيحاسبها اللـه ؟ .. ومن هم أول من يقضى بينهم يوم القيامة ؟.. وما هو أول ما يحاسب عليه العبد ؟ .
والجواب على هذه الأسئلة هو ذات الموضوع الذى نحن بصدده ، فأعيرونى القلوب والأسماع واللـه أسأل أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض إنه حليم كريم رحيم .

أولاً : من هى أول أمة سيحاسبها اللـه جل علاه ؟

أيها الأحبة الكرام إن ذل القيام بين يدى اللـه فى أرض المحشر لعظيم فالشمس فوق الرؤوس بمقدار ميل ... تكاد الرؤوس أن تنصهر من حرارتها‍... والبشرية كلها من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة فى صعيد واحد .. يكاد الزحام وحده يخنق الأنفاس ، والأعظم من ذلك هول ورهبة جهنم التى قد أُتِىَ بها فى أرض المحشر لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ، إذا رأت جهنم الخلائق ظفرت وزمجرت غضبا منها لغضب اللـه جل وعلا فعند ذلك ... تجثوا جميع الأمم على الركب زعراً وفزعاً منها .
قال تعالى : { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية : 28 ] .
فى هذه اللحظات الرهيبة المهيبة التى تخلع القلوب من الصدور ينادى اللـه جل جلاله على أمة الحبيب المحبوب محمد  من بين سبعين أمة كلها واقفة فى أرض المحشر فى ذل وانكسار للملك الجبار .
ففى الحديث الصحيح الذى رواه ابن ماجة بسند صحيح من حديث ابن عباس أن النبى  قال : (( نحن آخِرُ الأمم وأول الأمم حسـاباً يوم القيامة
يقال أين الأمة الأمية بنبيها ؟ فنحن الآخرون والأولون )) ( ) .
أمة النبى محمد  أُمّةُُ مرحومة ينادى عليها اللـه أول الأمم ليرحمها من ذل القيام بين يديه من هذا
( ) صححه شيخنا الألبانى فى الصحيحة رقم (2374) وهو فى صحيح الجامع حديث رقم (6749) .
الموقف الرهيب فى أرض المحشر بل وليكرمها على جميع الأمم .
ففى الحديث الذى رواه أحمد فى مسنده والحاكم فى مستدركه وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبى ورواه الإمام الترمذى وقال حديث حسن أن النبى  قال : (( أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على اللـه جل وعلا )) ( ) .
فأمة النبى  هى أشرف وأطهر وأكرم أمة على اللـه سبحانه ، ولم لا؟‍ ولم لا ؟! والرجل وحده فى أمة النبى محمد  قد يزن أمة بأسرها .
وفى الحديث عن الحبيب النبى  والحديث رواه الإمام أحمد فى مسنده والطبرانى فى الصغير والأوسط وقال الإمام الهيثمى فى مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح من حديث أبى الدرداء أن النبى  قال : إن اللـه عز وجل يقول : (( ياعيسى إنى باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا اللـه وشكروا ، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ، ولا حلم ولا علم ، قال : يارب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم . فقال اللـه جلا وعلا : أعطيتهم من حلمى وعلمى )) ( ) .فأمة النبى  تتجلى كرامتها يوم القيامة بين يدى الرب العلى حينما ينادى عليها من بين سبعين أمة فلتتقدم .. لماذا ؟!!
لتشهد على جميع الأمم لتشهد للأنبياء والمرسلين .
وفى صحيح البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى  قال : ((يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : يانوح . فيقول لبيك وسعديك ، فيقول اللـه : هل بلغت قومك ؟! فيقول : نعم .. فيدعى قومه ويقال لهم: هل بلغكم نوح فيقولون : لا ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد ، فيقول اللـه جل وعلا من يشهد لك يانوح ، فيقول نوح : يشهد لى محمد وأمته .. يقول المصطفى فتدعون فتشهدون بأنه بلغ قومه وأشهد عليكم فذلك قول اللـه تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } )) ( ) .( ) رواه أحمد فى المسند رقم (1900،19908) وقال محققه إسناده صحيح ، ورواه الترمذى رقم (3001) فى تفسير آل عمران وحسنه ، وابن ماجة رقم (4288) فى الزهد ، والدرامى (2760) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبى .
( ) رواه أحمد فى المسند رقم (27416) وقال الهيثمى (10/67) رجاله رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبى حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان .
( ) رواه البخارى (8/130) فى التفسير ، باب قوله تعالى :  وكذلك جعلناكم أمة وسطاً - والترمذى رقم (2965) فى التفسير ، باب ومن سورة البقرة - والطبرى رقم (2165) . إن أمة الحبيب  أمة مكرمة فمن أثنت عليه خيرا نجى ووجبت له الجنة ومن أثنت عليه الأمة شراً هلك ووجبت له النار .
ففى صحيح مسلم وسنن أبى داود من حديث أنس أن النبى  مَرَّ بجنازة فَأُثنى عليها خيراً فقال النبى  : (( وجبت وجبت وجبت )) . ومر بجنازة ، فَأُثنى عليها شرا فقال النبى  : (( وجبت وجبت وجبت )) ، فقال عمر : فدى لك أبى وأمى مر بجنازة فأُثنى عليها خيراً فقلت وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة أخرى فأُثنى عليها شراً فقلت وجبت وجبت وجبت ؟ فقال رسول اللـه  : (( من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة , ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار فأنتم شهداء اللـه فى الأرض ، أنتم شهداء اللـه فى الأرض )) ( ).
فواللـه لقد وعد اللـه النبى  أن يعطيه لأمته حتى يرضى ، ألا إن وعد اللـه صدق .
ففى الصحيحين من حديث عبد اللـه بن عمرو أن النبى  (( قرأ يوماً قول اللـه فى إبراهيم { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] وتلى قول اللـه فى عيسى { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ المائدة : 118 ] . ثم رفع النبى يديه إلى السماء وبكى ، فقال اللـه جل وعلا لجبريل عليه السلام : ياجبريل سل محمداً ما الذى يبكيه وهو أعلم فنزل جبريل للمصطفى .. ما الذى يبكيك يارسول اللـه ؟ قال : أمتى يا جبريل فصعد إلى اللـه وأخبر الحق تبارك وتعالى وهو أعلم . فقال اللـه لجبريل : انزل إلى محمد وقل له إنا سنرضيك فى أمتك ولا نسوؤك )) ( ) .
فأمة النبى أمة ميمونة .. أمة مبروكة .. أمة محمودة
ومما زادنى فخــراً وتيهـا وكدت بأخمصـى أطـأ الثُّريَّا
دخولـى تحت قولك ياعبادى وأَنْ أرسلت أحمـدَ لــى نبيا
قال اللـه تعالى { كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للِنَّاسِ } [ آل عمران :110]

ثانياً : من هم أول من يقضى اللـه بينهم يوم القيامة ؟!
والجواب من رسول اللـه  كما فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أنه  قال : (( إن أول من يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فَأُتِىَ به ، فَعَرَّفَهُ نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، فقال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جرئ ، فقد قيل ، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه ، حتى أُلقِىَ فى النار ، ورجلُُ تَعَلَّمَ العلم وعلَّمه وقرأ القرآن ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقى فى النار . ورجل وسع اللـه عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال : فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال جواد ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى فى النار )) ( ) .
أول من يقضى يوم القيامة عليه : رجل استشهد ، رجل سقط شهيداً فى ميدان القتال ، فى ساحة البطولة والوغى فى ميدان تصمت فيه الألسنة الطويلة ، وتخطب فيه الرماح والسيوف على منابر الرقاب ، يقع شهيداً فى ميدان القتال ، هو من أمة النبى  و لكنه ما أراد وجه اللـه ولكنه أراد الثناء من العباد !! فكانت النتيجة ! بل قاتلت ليقال جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار .
(( ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن )) :
عالم ملأ المساجد علما وسوَّد صفحات الجرائد والمجلات !! عالم تعلم العلم وعلّم الأنام ولكن أراد الشهرة ، أراد النجومية ، أراد المكانة ، أراد الكرسى الزائل والمنصب الفانى ، أراد الوجاهة !!! ما ابتغى بعلمه وجه الرحمن !! فكانت النتيجة : بل تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار .
اللـه أكبر !! عالم تُسعَّر به النار ! قارئ تسعر به النار . ولم لا ؟! وهو قد فقد شرط هام مهم من شروط قبول العمل ، وهو الإخلاص .
وأما الثالث ممن تسعر به النار أيضاً : رجل أتاه اللـه أصناف المال ، مَنَّ اللـه عليه بالأموال فأعطاه وأجزل له العطاء ، ولكن تصدق ليقال جواد ليقال المحسن الكبير !! ليقال المنفق الكبير !! السخى البازل ، وقد قيل ثم أمر به فكانت النتيجة أن سحب على وجهه حتى ألقى فى النار .
سحبوا جميعاً فكبوا فى جهنم ، لأنهم مراؤون بأعمالهم .
اعلم أن الرياء لغة مشتق من الرؤية ، والرياء شرعاً مشتق من معناه اللغوى ، فمعنى الرياء اصطلاحا أن يبطن العبد خلاف ما يظهر .
حَدُّ الرياء : هو إرادة العباد بطاعة رب العباد جل وعلا .
يامن تعملون ابتغاء مرضاة اللـه ، اسجدوا لله شكراً على هذه النعمة وسلوه التثبيت ، ويامن تعملون العمل لا تبتغوا به مرضاة اللـه ولا تريدون به إلا السمعة والشهرة والمكانة بين الناس ، فاعلموا علم اليقين أن عملكم غير مقبول لأن اللـه لا يقبل إلا العمل الخالص الصواب .
فقد قال المولى { وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة - 5 ] .
وقال تعالى { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }
[ الكهف : 110 ] .
وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم من حديث أبى هريرة أن النبى  قال : (( قال اللـه تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك )) وفى لفظ ابن ماجة (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه )) ( ) .
وفى لفظ (( فهو للذى أشرك وأنا منه برئ )) .
فالرياء هو الشرك الخفى ، الرياء هو الشرك الأصغر ، الرياء هو الذى يحبط الأعمال ويدمرها ولذلك روى الإمام أحمد فى مسنده بسند حسنه شيخنا الألبانى فى صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبى سعيد الخدرى قال : خرج علينا رسول اللـه  ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال : (( ألا أخبركم بما هو أَخْوَف عليكم عندى من المسيح الدجال ؟ )) فقلنا : بلى يارسول اللـه ! قال : (( الشرك الخفى وأن يقوم الرجل فيصلى فَيُزِيِّنُ صلاته لما يرى من نظر رَجُلٍ )) ( ) .
وفى الحديث الذى رواه أحمد وصححه شيخنا الألبانى فى صحيح الترغيب والترهيب من حديث محمود بن لبيد رضى اللـه عنه أنه  قال : (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )) قالوا : وما الشرك الأصغر يارسول اللـه ؟‍ قال : (( الرياء . يقول اللـه عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبـــوا إلى الذين كنتم تراؤون فى الدنيا فهل تجدون عندهم جزاءً )) ( ) .
فالرياء أيها الأحباب خطر عظيم جسيم يدمر الأعمال ويحبطها أسال اللـه العلى العظيم أن يستر علينا وعليكم فى الدنيا والآخرة ، ويرزقنا وإياكم الإخلاص فى القول والعمل ، والسر والعلن ، وأن يجعل سرنا أنقى من علننا وأن يغفر ذنوبنا ، ويصحح نوايانا إنه ولى ذلك والقادر عليه .
ولذا أحب أن نعرج سوياً على أهم الأدوية لعلاج هذا الداء العضال ألا وهو الشرك الخفى ( الرياء ) فإن الأمر من الأهمية بمكان .
الدواء الأول : الاستعانة باللـه عز وجل أن يرزقنا الإخلاص فى القول والعمل فى السر والعلن فى الليل والنهار ، ولنا فى خليل اللـه إبراهيم الأسوة الحسنة - إمام الموحدين وقدوة المحققين - يتضرع إلى اللـه رب العالمين أن يجنبه وبنيه الشرك فيقول اللـه تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ } [ إبراهيم : 35] .
فلا بد أن تسأل اللـه وتستعين به على إخلاص العمل له وحده ، واعلم يقيناً أنه وحده القادر على أن يمنحك الإخلاص لأن الإخلاص لا يضعه اللـه إلا فى قلب من يحب من عباده . وعليك أن تعرف عاقبة الرياء فى الدنيا والآخرة .
إن المرء المرائى يأتى يوم القيامة فتنشر له صحيفته على مد بصره ، ولكن يومها لا يجد له عند اللـه جزاء ..
اللـهم سلم سلم !! لقد باء بالخسران الكبير ، ولم لا ؟! وهو منافق ، والمنافقون فى الدرك الأسفل من النار مع فرعون وهامان وقارون .
لقد أظهر عملاً وقولاً وسمتاً وسلوكاً غير ما يبطنه واللـه تعالى يعلم حقيقته ، قال تعالى : [color=red]{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
[ البقرة : 284 ] .
وقال تعالى : { إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [ الأحزاب : 54 ] .
وقال تعالى:{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [ طه : 7 ]
فإن كان الرياء فى أصل الدين أن يبطن الكفر ، ويظهر الإيمان فهذا هو أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد فى النار ، فقد قال اللـه : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } [ البقرة : 204 - 206 ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   1/11/2008, 10:22 pm

وقال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [ المنافقون : 1][/color]
أما إذا كان استقر فى قلبه أصل الدين وأصل الإيمان وهو يرائى الناس بالأعمال فقط فهذا هو الشرك الأصغر ويخشى على هذا أن يختم له بسوء الخاتمة والعياذ باللـه . فالمرائى لاجزاء له فى الآخرة .
يامن تعملون العمل لإرضاء الناس . اعلموا أنه مامن أحد يرضى عنه كلُ الناس ،ولم يستطيع مخلوق البتة أن يُرضى كلَّ الناس بل قد لا يستطيع الأب فى مملكته الصغيرة أن يرضى كل أبناءه ، وقد لا يستطيع الشيخُ فى مجلس علم أن يُرضَى كلَّ طلابه ، هذه قاعدة من جهلها فهو جاهل .
أخى الحبيب اجعل قلبك معلقاً باللـه ، وابتغى بقولك وعملك وجه اللـه ، فلوا اجتمع أهل الأرض بالثناء عليك فلن يقربك ثناءهم زلفى من اللـه إن كنت بعيداً عن اللـه .
ولو اجتمع أهل الأرض بالذم فيك فلن يبعدك زمهم عن اللـه إن كنت قريباً من اللـه ، فما الذى ينفعك من مدح الآنام وأنت مذموم عند رب الآنام ؟‍! وما الذى يضرك من ذم الآنام وثناءهم بالشر وأنت مقرب ممدوح من رب الآنام .
فلا ترض الناس بسخط اللـه عليك ، بل أطع اللـه فيهم واتق اللـه فيهم فإن النبى  قال :
(( من أرضى اللـه بسخط الناس كفاه اللـه الناس ومن أسخط اللـه برضا الناس وكله اللـه إلى الناس )) ( ) .
فقد قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاً } [ مريم : 96 ] .
وداً : أى محبة فى قلوب عباده المؤمنين المخلصين .
فإذا رأيت رجلاً يبغض مؤمناً صالحاً فاعلم بأن قلبه قلب خبيث مريض ، والعياذ باللـه فإن المنافق لا يحب مؤمناً على ظهر الأرض لأنه لا يحب إلا منْ على شاكلته ومعدنه .
ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه قال : قال رسول اللـه  (( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنودُُ مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف )) ( ) .
قال الخطابى رحمه اللـه : فالخَيِّر يحن إلى الأخيار والشرير يحن إلى الأشرار .
وأحب أن أنوه وأحذر من أمر خطير جداً وهو :
أن اللـه يعاقب المرائى فى الدنيا بضد قصده ونيته والعاقبة بضد قصد النية ثابت شرعاً وقدراً .
ففى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس أن النبى  قال : (( من سَمّعَ سمع اللـه به ومن يرائى يرائى اللـه به )) ( ) .
قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى : قال الخطابى : " من عمل عملاً من أعمال الخير ، والطاعة يبتغى أن يراه الناس وأن يسمعوه ، عاقبه اللـه بضد قصده ونيته ففضحه اللـه جل وعلا وأظهر باطنه " .
اللـهم استرنا ولا تفضحنا .. اللـهم استرنا ولا تفضحنا .. اللـه استرنا ولا تفضحنا .
أما أن ذلت قدمه بمعصية فبكى وارتعد قلبه وخاف من اللـه جل وعلا، فهذا هو المؤمن التقى ونرجو اللـه أن يختم لنا وله بخاتمة التوحيد والإيمان.
فإن اللـه قد ذكر المتقين فى قرآنه وذكر من صفاتهم أنهم قد يقعون فى الفاحشة قال تعالى :{ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران : 133 - 135 ] .وأحب أن أنوه على أمر آخر : إن عمل العبد عملاً يبتغى به وجه اللـه وتضرع فيه إلى اللـه أن يرزقه فيه الإخلاص ثم أثنى الناس عليه خيراً وجعل اللـه له الثناء الحسن على ألسنة الصادقين من عباده ، وجعل اللـه له المكانة الطيبة فى قلوب المخلصين من عباده وأولياءه فاستبشر خيراً .
ففى صحيح مسلم عن أبى ذر رضى اللـه عنه قلت يارسول اللـه : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس فقال  : (( تلك عاجل بشرى المسلم )) ( ) .
واسمع لهذا الحديث الرقراق الرقيق الذى رواه البزار وصححه شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع أنه  قال : (( مامن عبد إلا وله صيت فى السماء فإن كان صيته فى السماء حسناً وُضع فى الأرض ، وإن كان صيته فى السماء سيئاً وُضع فى الأرض )) ( ) .
أى أنه إن كان صيته فى السماء حسناً كان كذلك فى الأرض والعكس ولم لا ؟!! وقد قال النبى كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة : (( أن اللـه إذا أحب عبداً دعا ياجبريل ، فقال: إنى أحب فلاناً فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادى فى السماء فيقول : إن اللـه يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول فى الأرض . وإذا أبغض عبداً دعا جبريل عليه السلام فيقول : إنى أبغض فلاناً فأبغضه ، قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى أهل السماء : إن اللـه يبغض فلاناً فأبغضوه ثم توضع له البغضاء فى الأرض )) ( ) .
أسأل اللـه أن يسترنا بستره الجميل ويرحمنا إنه على كل شىء قدير .
أيها الأحبة الكرام : هؤلاء هم أول من يقضى بينهم يوم القيامة ، فما هو أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة ؟!! وهذا ما سوف نتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة .
وأقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى أله وأصحابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعـــد :
ثالثاً : ما هو أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة

والجواب فى الحديث الصحيح الذى رواه أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجة وغيرهم وصحح الحديث شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه أن النبى  قال : (( إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر )) ( ) .
واللـه إن القلب ليبكى وإن العين لتدمع وإن لما حل بأمة الإسلام لمحزونون ، فواللـه إن فى هذه الأمة من لا يدخل بيت اللـه جل وعلا إلا فى كل جمعة فقط !! ومن لا يدخل إلى بيت اللـه إلا فى العيدين فقط !!
ومن لا يدخل بيت اللـه إلا مرة واحدة لامن أجل أن يُصلِّى ، ولكن من أجل أن يُصلَّىَ عليه !!
الصلاة .. الصلاة .. الصلاة .. آخر وصية لرسول اللـه  .
الصلاة ضيعتها الأمة إلا من رحم اللـه . معظم المصلين إلا من رحم اللـه يضيعون الصلاة بعدم الاطمئنان فيها ، ولقد روى البخارى من حديث حذيفة بن اليمان أنه رأى رجلاً يصلى لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته قال له حذيفة ما صليت ولو مُتَّ مُتَّ على غير سنة محمد ( ) .
فهذا صلى ولكن لم يحسن الركوع والسجود والقيام . فما بالك بمن ضيع الصلاة ؟!! فما ظنك بمن ترك الصلاة ؟!!
قال جل فى علاه { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } [ مريم : 59 ] .
فما هو الغى ؟ قال ابن عباس وعائشة الغى نهر فى جهنم بعيد قعره خبيث طعمه .
وقال جل وعلا : { كَلا وَالْقَمَرِ(32)وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33)وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ(34)إِنَّهَا لاحْدَى الْكُبَرِ(35)نَذِيرًا لِلْبَشَرِ(36)لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ(37)كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنِ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً(52)كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ(53)كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ }
[ المدثر : 32-55 ]
.
يا من ضيعت الصلاة !! لماذا أعرضت عن اللـه ورسوله ؟!
أسأل اللـه العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا . إنه ولى ذلك والقادر عليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   2/11/2008, 4:34 pm



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   2/11/2008, 11:33 pm

سلسله خطب للشيخ محمد حسان حفظه الله ( 2 )
بسم اللـه الرحمن الرحيم




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده اللـه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . [ آل عمران - 102 ] .
 يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .[ النساء -1 ] .
 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُـوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُـمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَـنْ يُطِـعِ اللـه وَرَسُولَـهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .

أما بعـــد ...
فإن أصدق الحديث كلام اللـه ، وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها وكل محدثــة بدعة وكل بدعــة ضلالة وكل ضلالة فى النار
ثم أما بعد ..
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا الحادى عشر مع السلسلة الكريمة فى رحاب الدار الآخرة وكنا قد وقفنا عند هذا المشهد المزلزل المروع : الناس جميعاً وهم فى أرض المحشر ، وقد بلغ بهم ما بلغ من الهول والغم والكرب ، فالزحام حينذاك يخنق الأنفاس ، والشمس فوق الرؤوس بمقدار ميل ، والناس غرقى فى عرقهم كل بحسب عمله وبحسب قربه من الملك القدير ويزيد المشهد الرهيب العصيف غماً فوق الغم وكرباً فوق الكرب بإتيان جهنم والعياذ باللـه .
فقد سجل المولى فى قرآنه قال تعالى :  وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ }
[ الفجر: 23 - 26 ] .
وفى صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه  قال :
(( يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها )) ( ) .
فإذا ما رأت الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب اللـه .
فحينئذ تجثوا جميع الأمم على الركب ..
ولقد سجل القرآن هذا المشهد حيث قال اللـه تعالى :
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية : 28 ] .
وفى هذه اللحظة تطير قلوب المؤمنين شوقاً إلى الجنة ، وتطير قلوب المجرمين فزعاً ، وهلعاً ، وهرباً من النار ، ويعض صنف كثير من الناس فى أرض المحشر على أنامله تحسراً على ما قدم فى هذه الحياة الدنيا -ولكن- هيهات .. هيهات !!
قال تعالى :  الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا(26)وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27)يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولا } [الفرقان : 26 -29] .
فى هذا الكرب ينطلق بعض الناس ويقول بعضهم لبعض : ألا ترون ما نحن فيه ؟!! ألا ترون ما قد بلغنا ؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ليقضى بينكم ؟!!
فلا يتقدم للشفاعة يومئذ إلا صاحبها . سيد ولد آدم محمد بن عبد اللـه  وحينها يقول كل نبى نفسى .. نفسى !!ويقول حبيبنا محمد  أنا لها ، أنا لها.
وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أيدينا سريعاً فسوف ينتظم حديثنا فى هذا الموضوع فى العناصر الآتية :-
أولاً : الشفاعة العظمى .
ثانياً : من أسعد الناس بشفاعة المصطفى  .
فأعرنى قلبك ، وسمعك أيها الحبيب ، و اللـه أسأل أن يجعلنى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

أولاً : الشفاعة العظمى

روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أنه  قال :
(( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة )) ثم قال : (( هل تدرون مم ذاك ؟!! يجمع اللـه الأولين والأخرين فى صعيد واحد فيبصرهم الناظر ، ويسمعهم الداعى وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس ألا ترون ما أنتم فيه ، إلى ما بلغكم؟!! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم . فيأتونه فيقولون ياآدم أنت أبو البشر خلقك اللـه بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، وأسكنك الجنة ، ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول : إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهانى عن الشجرة فعصيت ، نفسى ، نفسى ، نفسى ... اذهبوا إلى غيرى . اذهبوا إلى نوح ، فيأتون نوحاً ، فيقولون : يانوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وقد سماك اللـه عبداً شكوراً ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا عند ربك ؟ فيقول : إن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه قد كان لى دعوة دعوت بها على قومى ، نفسى ، نفسى ، نفسى ، اذهبوا إلى غيرى ، اذهبوا إلى إبراهيم... فيأتون إبراهيم فيقولون : أنت نبى اللـه ، وخليله فى أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك أما ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات. فذكرها ، نفسى ، نفسى ، نفسى ، اذهبوا إلى غيرى ، اذهبوا إلى موسى ، فيأتون موسى . فيقولون: أنت رسول اللـه ، فضلك برسالاته وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنى قد قتلت نفساً لم أُومر بقتلها ، نفسى ، نفسى ، نفسى اذهبوا إلى غيرى ، اذهبوا إلى عيسى ، فيأتون عيسى ، فيقولون : يا عيسى ، أنت رسول اللـه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وكلَّمت الناس فى المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول عيسى : إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، ولم يذكر ذنباً ، نفسى ، نفسى ، نفسى . اذهبوا إلى غيرى ، اذهبوا إلى محمد ، فيأتون محمداً  وفى رواية : فيأتونى - فيقولون : يامحمد أنت رسول اللـه  وخاتم الأنبياء قد غفر اللـه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فانطلق ، فآتى تحت العرش ، فأقع ساجداً لربى ، ثم يفتح اللـه علىّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى ، ثم يقال : يامحمد ، ارفع رأسك ، وسل تعطــــى ، واشفــع تُشفّــع فأرفع رأسى ، فأقول : ياربى أمتى )) ( ) .
فتعالى معى أخى الحبيب نعيش مع بعض فقرات الحديث سريعاً :
لقد بلغ من الناس ما بلغ بهم من : شمس تدنوا فــوق الرؤوس بمقــدار الميل ، هم وكرب وغم مالا يطيقون ولا يتحملون .
فلما بلغ بهم الحال لهذا الحد العصيب الرهيب بلغ بهم المقال ، فقال بعض الناس لبعض : ألا ترون مانحن فيه ، ألا ترون ما قد بلغنا ؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا ؟ . فيقولون بعضهم لبعض : أبوكم آدم . فيأتون آدم عليه السلام فيقول آدم عليه السلام : نفسى ، نفسى ، نفسى اذهبوا إلى غيرى ..!! اللـهم سلم سلم ياأرحم الراحمين . فيأتون نوح عليه السلام . ذلكم العملاق الذى ظل يدعو إلى اللـه ألف سنة إلا خمسين عام ، ذلكم النبى الكريم الذى دعى قومه فى السر والعلن فى الليل والنهار فلم يستجيبوا إلا من رحم اللـه .
قال تعالى :  قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(Coolثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } [ نوح : 5-9 ]
ما ترك هذا النبى الكريم العملاق سبيلاً إلا وسلكه ، ألف سنة إلا خمسين عاماً لم ينم ، ولم يهدأ ، ولم يقر له قرار ، ومع ذلك يقول نبى اللـه نوح : نفسى ، نفسى ، نفسى ... اذهبوا إلى غيرى ..
ولقد دعى نبى اللـه نوح دعوته ، فلكل نبى دعوة مستجابة ، كل نبى تعجل بهذه الدعوة فى الدنيا إلا المصطفى  كما فى صحيح مسلم (( لكل نبى دعوة مجابة ، وكل نبى قد تعجــل دعــوته ، وإنــى اختبأت دعوتى شفــاعة لأمتى يــوم القيامة )) ( ) .
نوح دعى على قومه كما سجل القرآن ، فقال تعالى :  وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26)إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا } [ نوح : 26 - 27 ] .فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقول خليل اللـه : إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثلــه ولـن يغضب بعده مثله ، ويذكر إبراهيم كذبــاته ثم يقول نفسى ، نفسى ، نفسى ، اذهبوا إلى غيرى !!!
أتعرف ماهى كذبات إبراهيم ؟!! كذباته !!.. وهل كذب إبراهيم؟!!
الجواب من صحيح البخارى من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه قال : لم يكـذب إبراهيـم قـط إلا ثـلاث كذبـات ثنتيـن فـى ذات اللـه ، قوله : إِنَّى سَقِيمُُ } [ الصافات : 89 ] وقوله :  بَل فَعَلَهُ كَبيرهُم هَذاَ } [ الأنبياء : 63 ] وواحدة فى شأن سارة ، فإنه قدم أرض جبار ، ومعه سارة ، وكانت أحسن الناس ، فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك ، فإن سألك فأخبريه أنك أختى ، فإنك أختى فى الإسلام ، فإنى لا أعلم فى الأرض مسلماً غيرى وغيرك ، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار ، فأتاه ، فقال : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها أن تكون إلا لك ، فأرسل إليها ، فأتى بها ، فقام إبراهيم إلى الصلاة ، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها ، فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها : ادعى اللـه أن يطلق يدى ولا أضرك ، ففعلت فعاد ، فقُبضت أشد من القبضة الأولى ، فقال لها مثل ذلك ، ففعلت ، فعاد ، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين ، فقال : ادعى اللـه أن يطلق يدى ، فلك [ اللـه ] أن لا أضرك ففعلت ، وأطلقت يده ، ودعا الذى جاء بها ، فقال إنك إنما جئتنى بشيطان ، ولم تأتنى بإنسان ، فأخرجها من أرضى وأعطها هاجر ، قال : فأقبلت تمشى ، فلما رآها إبراهيم انصرف ، فقال لها : مَهْمَ ، قالت : خيراً ، كف اللـه يد الفاجر وأخدَمَ خادماً ، فقال أبو هريرة: فتلك أمكم يابنى ماء السماء ( ).
هذه كذبات إبراهيم التى ذكرها ثم قال : اذهبوا إلى غيرى ... اذهبوا إلى موسى ...!! إنه الكليم .. إنه المصطفى بالرسالة .. إنه المجتبى بالكــلام إنــه المصنوع علـــى عين اللـه .
وَلِتصْنَعَ عَلَى عَينِى } [ طه : 39 ] .
اصطفاه اللـه برسالته على جميع الخلق واصطفاه بالكلام على جميع الخلق ومع ذلك يقول : نفسى .. نفسى .. نفسى !! اذهبوا إلى غيرى .. اذهبوا إلى عيسى .
سـبحـان اللـه !! حتـى الكليـم يقـول اذهبـوا إلى غيرى اذهبـوا إلـى عيسـى!! فيأتون عيسى عليه السلام فيقول عيسى عليه السلام إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ، اذهبوا إلى غيرى نفسى ، نفسى ، نفسى ولم يذكر عيسى عليه السلام ذنباً من الذنوب اذهبوا إلى محمد بن عبد اللـه  .
يقول الحبيب فيأتونى فأقول : أنا لها ، أنا لها .
يقول : فأقوم فأخر ساجداً لربى تحت العرش فينادى عليه الملك جل جلاله ويقـول يامحمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع فيقول الحبيب  أمتى أمتى .. يارب أمتى .
سبحان اللـه !! انظر كم حب الرسول لأمته !! إنه الحليم الأواه صاحب القلب الكبير صاحب القلب الرحيم الذى قال اللـه فى حقه  بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } .
قرأ يوماً قول اللـه فى إبراهيم :  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ ابراهيم : 36 ]
وقرأ قول اللـه فى عيسى :  إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
[ المائدة : 118 ] .
فبكى فأنزل اللـه إليه جبريل عليه السلام وقال : باجبريل سل محمد ما الذى يبكيك ؟ وهو أعلم ، فنزل جبريل وقال: ما يبكيك يا رسول اللـه ؟ قال أمتى .. أمتى ياجبريل ، فصعد جبريل إلى الملك الجليل . وقال : يبكى على أمته واللـه أعلم ، فقال لجبريل انزل إلى محمد وقل له إنا سنرضيك فى أمتك ولا نسوءك فيقول : يارب أمتى .. يارب أمتى .. يارب أمتى .
وفى حديث الصور الطويل الذى رواه الطبرى والطبرانى والبيهقى وأبو يعلى الموصلى وأورده السيوطى واستشهد به ابن أبى العز الحنفى ، وللأمانة العلمية التى عاهدنا اللـه عليها فإن الحديث بطوله ضعيف ، ففيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف ؟ كما قال أهل الجرح والتعديل وفيه محمد بن زياد وهو مجهول فيه ما يتفق مع سياق حديث أبى هريرة الذى ذكرته آنفاً .
يقول المصطفى : فأخر ساجداً تحت العرش فيقال لى : ما شأنك وهو أعلم فيقول المصطفى  : يارب وعدتنى الشفاعة فشفعنى فى خلقك فأقضى بينهم ، فيقول اللـه جل وعلا قد شفعتك … أنا آتيكم لأقضى بينكم .
يقول المصطفى  فأرجع لأقف مع الناس فى أرض المحشر ، وتنتظر البشرية كلها مجىء الملك جل جلاله مجىء يليق بكماله وجلاله ، فكل ما ورد ببالك فاللـه بخلاف ذلك{لَيسَ كَمثلهِ شَىءٌ وَهُو السَّميعُ البَصِيرُ}.
فصفة النزول ، وصفة المجىء ، وصفة الإتيان ، وصفة الغضب ، صفات لله جل جلاله نثبتها كما جاءت من غير تحريف ، ولا تشبيه ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل قال تعالى :  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] .
قال علماؤنا : استوى كما أخبر ، وعلى الوجه الذى أراد ، وبالمعنى الذى قال ، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال .
فلا العرش يحمله ولا الكرسى يسنده بل العرش وحملته والكرسى وعظمته
الكل محمــول بلطـــف قدرته مقهــــور بجـــلال قبضتـه

فالاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
سأل رجل إسحاق بن راهويه وقال : يا إسحاق كيف تؤمنون بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا ؟!
فقال : يا هذا إن كنت لا تؤمن به فإننا نؤمن بإله يتنزل كل ليلة من عرشه إلى السماء الدنيا ، ولا يخلو منه عرشه .
من كان منا يتصور أن النمل يتكلم ، وما عرف ذلك وفهمه إلا يوم أن قرأ فى القرآن الكريم  حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ }
[ النمل - 18 ] .
من كان منا يتصور أن هناك شىء لا يمشى على رجليه وإنما يمشى على بطنه حتى رأيت الحية تمشى على بطنها وما شاكلها وهكذا .
من زعم أنه يعرف كيفية ذات اللـه جل وعلا فهو واهم لأنه سبحانه وتعالى يقول  وَلا يُحيطُونَ بِهِ عِلمًا } [ طه : 110 ] .
جل جلاله.. لاند له ، ولا كفء له ، ولا شبيه له ، ولا نظير له ، ولا مثيل له  قُل هُو اللَّـهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] .
والسؤال : من الذى يشفع للبشرية كلها لفصل القضاء ؟!!
لم يشفع للبشرية كلها لفصل القضاء إلا المصطفى  .
أيها الموحدون : واللـه لا يعرف قدر رسول اللـه إلا اللـه .
إن قدر رسول اللـه  عند اللـه لعظيم ! وإن كرامة النبى  عند اللـه لكبيرة !
فهو المصطفى وهو المجتبى فلقد اصطفى اللـه من البشرية الأنبياء واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولى العزم واصطفى من أولى العزم الخمسة إبراهيم ومحمد واصطفى محمد ففضله على جميع خلقه . شرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وزكاه فى كل شىء :
زكاه فى عقله فقال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [ النجم : 2].
زكاه فى صدقه فقال سبحانه: وَمَا يَنطِقُ عَن الهوىَ } [ النجم : 3].
زكاه فى صدره فقال سبحانه: أَلم نَشْرح لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح : 1].
زكاه فى فؤاده فقال سبحانه: مَاكَذَبَ الفُؤادُ مَارَأىَ } [ النجم : 11].
زكاه فى ذكره فقال سبحانه: وَرَفعنَا لَكَ ذكْرَكَ } [ الشرح : 4] .
زكاه فى طهره فقال سبحانه: وَوَضعنَا عَنكَ وزْرَكَ } [ الشرح :2 ].
زكاه فى علمه فقال سبحانه:  عَلَّمَهُ شَديدٌ القُوىَ } [ النجم : 5 ].
زكاه فى حلمه فقال سبحانه: بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ }[ التوبة :128].
زكاه كله فقال سبحانه:  وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 4 ] .
بأبى هو وأمى  ... هو رجل الساعة ، نبى الملحمة ، صاحب المقام المحمود - الذى يغبطه عليه كل نبى فى أرض المحشر - الذى وعد اللـه به نبينا فى قوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [ الإسراء - 79 ] .
فهذا هو المقام المحمود كما فى حديث مسلم من حديث أبى هريرة أنه  قال : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع وأول مشفع )) ( ) .
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة كذلك أنه  قال : (( إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)) ( ) .
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه  قال : (( فضلت على الأنبياء بسـت : أعطيـت جوامـع الكلـم ( فهو البليغ الفصيح ) ونصرت بالرعـب ( وفى لفظ البخارى مسيرة شهر ) وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بى النبيون )) ( ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   2/11/2008, 11:39 pm

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه  قال : (( فضلت على الأنبياء بسـت : أعطيـت جوامـع الكلـم ( فهو البليغ الفصيح ) ونصرت بالرعـب ( وفى لفظ البخارى مسيرة شهر ) وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بى النبيون )) ( ) .
هذه مكانة النبى محمد  ، بل لقد أنزل اللـه ليربى وليعلم الصحابة كيف يتأدبون ويعظمون رسول اللـه  وكيف يوقرون رسول اللـه  وكيف يتأدبون حتى فى النداء على رسول اللـه  .. ولكن الآن ما الذى حدث للأمة ؟!!
فإن الأمة لم تعــرف قــدر نبيها إلا من رحم اللـه ، ولم تعظم رســولها بل وقد أساءت الأدب مع رسول اللـه  . فهجرت الأمة شريعته ، وَنَحَّت الأمة سنته ولم تعد الأمة تجيد إلا أن تتغنى برسول اللـه  فى ليلة مولد ، فى ليلة هجرة ، فى ليلة نصف من شعبان !!
فالأمة الآن ما عادت تجيد إلا الرقص والغناء ، إنها عشقت الهزل وتركت الجد والرجولة ، أمة تدعى الحب لرسول اللـه وتتغنى برسولها فى المناسبات والأعياد الوطنية فى الوقت الذى نحت فيه شريعته وهجرت فيه سنته ولا حول ولا قوة إلا باللـه .
أحبتى فى اللـه :
الشمس فوق الرؤوس ، الزحام وحده يخنق الأنفاس ، البشرية كلها فى أرض المحشر من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة ، فى هذا الموقف الرهيب المهيب .
المصطفى  واقف على حوضه ، والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك عدد كيزانه بعدد نجوم السماء من شرب منه بيد الحبيب شربة لا يظمأ بعدها أبداً ( ) حتى يتمتع بالنظر إلى وجه الملك فى جنات النعيم .
اللـهم اسقنا منه شربة هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدا ياأرحم الراحمين.
روى البخارى من حديث سهل بن سعد الساعدى يقول النبى  : ((أنا فرطكم على الحوض يوم القيامة فمن مر علىّ شرب ومن شرب لا يظمأ أبداً ، وليردن على الحوض قوم أعرفهم ويعرفوننى ثم يحال بينى وبينهم )) وفى لفظ فى الصحيح (( ثم يختلجون دونى )) فأقول : إنهم من أمتى . إنهم من أمتى . فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول : سحقاً سحقاً لمن بدل بعدى )) ( ) .
ومعنى ذلك أن اتباع نهج المصطفى  هو سبيل الفوز والنجاة .
انظر إلى الموحدين الذين امتثلوا أمر النبى  ، ونهيه ، وتعلم كيف كانوا حتى فى آخر لحظات لهم فى هذه الدنيا .
فهذا معاذ بن جبل على فراش الموت نائم يدخل عليه الليل ويشتد به الألم فينظر لأصحابه ويقول هل أصبح النهار ؟! فيقولون : لا لم يصبح بعد ، فيبكى معاذ بن جبل ويقول : أعوذ باللـه من ليلة صباحها إلى النار .
معاذ بن جبل يخشى أن يكون من أهل النار !!!
وهذا هو فاروق الأمة الأواب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذى أجرى اللـه الحق على لسانه وقلبه ، يدخل عليه ابن عباس بعدما طُعِن ليذكره وليثنى عليه الخير كله فيقول عمر : إن المغرور من غررتموه ، واللـه لو أن لى ملأ الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب اللـه قبل أن أراه .
ثم قال عمر : وددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لى ولا علىّ . سبحان اللـه !!
وهذه هى عائشة تسأل عن قول اللـه تعالى :  ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [ فاطر : 32] .
فتقول عائشة : يابنى أما السابق بالخيرات فهؤلاء الذين ماتوا مع رسول اللـه  وشهد لهم رسول اللـه بالجنة ، وأما المقتصد فهؤلاء الذين اتبعوا أثر رسول اللـه  حتى ماتوا على ذلك وأما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك .
اللـه أكبر !! جعلت عائشة نفسها معنا . جعلت عائشة نفسها من الظالمين لأنفسهم !!!
وهذا هو سفيان الثورى إمام الدنيا فى الحديث ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول : أبشر يا أبا عبد اللـه إنك مقبل على ما كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين .
فبكى سفيان وقال : أسألك باللـه ياحماد أتظن أن مثلى ينجوا من النار؟!!
انظر كيف كانوا ؟! وماذا قالوا ؟
انظر إلينا كيف أصبحنا ؟! وماذا نقول ؟!
شتان .. شتان ، نحن جميعاً نقول من منا لا يدخل الجنة ؟!! من منا لا يشفع له رسول اللـه  ؟!!
ها هو الحديث فى البخارى يبين فيه الحبيب النبى  أنه سيحال بينه وبين أقوام حرَّفوا وبدَّلوا وانحرفوا عن سنته  .
أسأل اللـه العظيم أن يغفر لنا ويرحمنا إنه ولى ذلك والقادر عليه .
وأقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى أصحابه ، وأحبابه ، وأتباعه ، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين .

ثانياً : من أسعد الناس بشفاعة المصطفى  يوم القيامة

هذا هو عنصرنا الأخير فى هذا اليوم الكريم المبارك
قال سبحانه وتعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[ آل عمران:31].
ليقف كل مسلم صادق مع نفسه سائلاً : هل امتثلت أمر الرسول  ؟ هل اجتنبت نهيه ؟! هل ارتبط اللسان بالجنان والجوارح ؟!
هل التزمت بهدى النبى  فى شتى الأمور بحب واتباع وإخلاص !!
مــن يَدَّعِ حُـــبَّ النبـى ولم يفد مــن هديـه فسفاهـةُُ وهراءُ
فالحب أول شرطــه وفروضـه إن كان صادقـاً طاعـةُُ ووفــاءُ
أخى فى اللـه : من أسعد الناس بشفاعة الرسول  يوم القيامة ؟
والجواب مباشرة من صحيح البخارى : قال أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة يارسول اللـه ؟ فقال المصطفى  (( لقد ظننت أنه لا يسألنى عن هذا السؤال أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث ياأبا هريرة . أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا اللـه خالصاً مخلصاً من قلبه )) ( ) .
وفى رواية ابن حبان (( أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا اللـه خالصاً من قلبه يصدق قلبه لسانه ، ويصدق لسانه قلبه ))
وفى صحيح مسلم أنه  قال : (( لكل نبى دعوة مستجابة وإنى اختبأت دعوتى شفاعةً لأمتى ، فهى نائلة إن شاء اللـه تعالى من مات من أمتى لا يشرك باللـه شيئاً )) ( ) .
إذاً حتى يشفع لك رسول اللـه  يوم القيامة يجب توفر شرطاً هاماً جداً هذا الشرط أن تحقق التوحيد . أن تقول كلمة التوحيد خالصة من قلبك .
فمن الناس الآن من يردد هذه الكلمة بلسانه ولا يدرى ما يقول ، ومن الناس من لم يخلص العبادة لله جل وعلا بل راح يصرف العبادة لغير اللـه .
فهو لا يعرف لكلمة التوحيد معنى ولا يقف لها على مضمون ولا يعرف لها مقتضى .
ومن الناس من يردد بلسانه لا إله إلا اللـه وقد انطلق حراً طليقاً ليختار لنفسه من المناهج الأرضية والقوانين الوضعية الفاجرة ما يوافق هواه .
ومن الناس من ينطق بالكلمة ولا يتبع منهج الحبيب محمد  !!
ومن الناس من يردد كلمة لا إله إلا اللـه وهو لم يحقق الولاء والبراء !!
ومن الناس من يردد بلسانه كلمة لا إله إلا اللـه وقد ترك الصلاة وضيع الزكاة وضيع الحج مع قدرته واستطاعته ، وأكل الربا ، وشرب الخمر، وأكل أموال اليتامى ، يسمع الأمر فيهز كتفه فى سخرية و كأن الأمر لا يعنيه ، يسمع المواعظ فيهزأ وكأن الأمر لا يعنيه!!
فلابد من إخلاص التوحيد ، كلمة التوحيد ليست مجرد كلمة يرددها الإنسان بلسانه وفقط ، بل إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان .
ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى ولكن الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل ، فمن قال خيراً وعمل خيراً قُبِلَ منه . ومن قال خيراً وعمل شراً لم يُقْبَل منه .
وفى الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبى  قال : (( من شهد أن لا إله إلا اللـه وأن محمداً  عبده ورسوله وأن عيسى عبد اللـه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله اللـه الجنة على ما كان من العمل )) ( ) .
وفى رواية عتبان بن مالك : (( فإن اللـه حَرَّمَ على النار من قال لا إله إلا اللـه يبتغى بها وجه اللـه )) .
واللـه لن يسعد بشفاعة المصطفى  إلا من أخلص التوحيد للعزيز الحميد واتبع المصطفى  وأخلص له الاتباع .
ففى الحديث الذى رواه مسلم والترمذى واللفظ للترمذى من حديث أنس أن النبى  قال : قال اللـه تعالى فى الحديث القدسى : (( يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، يا ابن آدم لو أتيتنى بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )) ( ) .
إنه التوحيد .. فأسعد الناس بشفاعة الحبيب النبى  من قال لا إله إلا اللـه خالصاً من قلبه ، فكلمة التوحيد قد قيدت بشروط ثقال عند قبولها من الملك المتعال .
فهى شجرة طيبة جذورها الحب والإخلاص وساقها اليقين والقبول وأوراقها الانقياد ومن غير الماء والضوء لاتعيش ، فالعلم لها ضوء والصدق لها ماء .
أسأل اللـه العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا . إنه ولى ذلك والقادر عليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   2/11/2008, 11:54 pm






وجزاكم الله خيراً

تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمــال


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   4/11/2008, 12:20 am

بسم اللـه الرحمن الرحيم




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلاَّ اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسـوله .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  . [ آل عمران - 102 ] .
 يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  . [ النساء -1 ] .
 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِـرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  . [ الأحزاب -70 ، 71 ]
.
أما بعـد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللـه وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا السابع مع السلسة الكريمة فى رحاب الدار الآخرة وما زلنا بحول اللـه ومدده نتحدث عن العلامات الكبرى للساعة والتى ذكرها الحبيب المصطفى  فى حديثه الصحيح الذى رواه مسلم من حديث حذيفة ابن أسيد الغفارى رضى اللـه عنه قال : اطلع علينا النبى  ونحن نتذاكر فقال المصطفى  : (( ما تذاكرون )) قالوا : نذكر الساعة ، فقال  :
(( إنهـا لـن تقـوم حتـى تـروا قبلهـا عشـر آيـات فـذكر الدخان والدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى عليه السلام ، ويأجـوج ومأجـوج ، وثلاثـة خسوف ، خسـف بالمشرق ، وخسـف بالمغـرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تسوق الناس إلى محشرهم )) ( ) .
وسأتحدث اليوم إن شاء اللـه تعالى عن بقية العلامات الواردة فى الحديث نظراً لأن المادة العلمية الصحيحة فى بقية هذه العلامات قليلة .

طلوع الشمس من مغربها

أيها الأحبة الكرام :
إن الشمس منذ أن خلقها اللـه عز وجل تشرق من المشرق وتغرب فى المغرب بصورة متكررة منتظمة لا تتخلف يوماً ولا تتأخر بصورة تطالع الأنظار والمدارك لتستنطق الفطرة السوية للإنسان بوحدانية الرحيم الرحمن ، قال جل وعلا :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَـازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ(39)لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون 
[ يس : 38،40]
لا ريب أنها أية من الآيات التى تستنطق الفطرة السليمة النقية بوحدانية اللـه جل وعلا ، علامة بارزة على قدرة اللـه .
ولذا نرى نبى من أنبياء اللـه - خليل اللـه إبراهيم - قد تحدى بهذه الآية طاغوتاً من طواغيت أهل الأرض وسجل اللـه جل وعلا ذلك فى كتابه الحكيم :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  [ البقرة : 258 ] .
انظر أيها الحبيب كيف تحدى الخليل الطاغية النمرود بن كنعان ، إذ يقول إبراهيم :
 رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ  .
فيرد الجاهل الطاغية المجرم :
 أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  .
ولكن أين يذهب هذه الغر الجاهل أمام نور النبوة الباهر ، إذ قال له الخليل بذكاء النبوة ونورها الباهر :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  .
فالشمس منذ خلقها اللـه تشرق من الشرق وتغرب فى الغرب بصورة منتظمة متكررة لا تكاد تتخلف أو تتأخر فى يوم من الأيام حتى إذا جاء الوعد الموعود استأذنت الشمس ربها أن تشرق كعادتها من المشرق فلا يأذن لها !!
ففى صحيح مسلم من حديث أبى ذر الغفارى رضى اللـه عنه أن النبى  قال لأصحابه يوماً والشمس تغرب :
(( أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟! )) قالوا اللـه ورسوله أعلم فقال المصطفى  : (( إن هذه تجرى حتى تنتهى إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة لله جل وعلا فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعى ، ارجعى من حيث جئت ، فترتفع ، فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجرى حتى تنتهى إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة لله عز وجل فلا تزال كذلك حتى يقال لهـا : ارتفعـى ارجعى من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ( أى المشرق ) فلا تزال كذلك لا سيتنكر الناس منها شيئاً حتى تجرى ثم تسـتقر فى مكانها تحت العرش فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعى ، ارتفعى اصبحى طالعة من مغربك ، فتصبح الشمس طالعة من مغربهــا )) ( ) .
لا تتعجب فكل شئ فى هذه الكون يسجد لله .
قال جل فى علاه :
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيـرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَــاءُ  [ الحج : 18 ] .
فكل شئ فى الكون يسجد لرب الأرض والسموات إلاكفرة الجن والإنس .
انظر إلى الكون كله من عرشه إلى فرشه ، ومن سمائه إلى أرضه لتتعرف على وحدانية اللـه ، وعظمة الخالق جل فى علاه .
انظر إلى السماء وارتفاعها ، والأرض واتساعها ، والجبال وأثقالها والأفلاك ودورانها ، والبحار وأمواجها .
انظر إلى كل متحرك وساكن ، واللـه إن الكل يقر بتوحيد اللـه ويعلن السجود لله ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا من كفر من الجن والإنس ولا حول ولا قوة إلا باللـه .
انظــــر لتلـك الشجـــرة ذات الغصـــــون النضــرة
كيف نمـــــت مــن حبـة وكيف صــــــارت شجـرة
ابحث وقل
مــن ذا الذى يخــــرج منها الثمـــــرة؟! ذاك هـو اللـه
الـذى أنعمه منهمــرة ذو حكمة بالغـــــــة وقدرة مقتـدرة
وانظر إلى الشمس التى جذوتها مستعرة فيها ضيـاء وبهـا حرارة منتشرة
ابحث وقل
مـ، ذا الذى يخـــــــرج منها الشـــررة؟! ذاك هـــو اللـه
الذى أنعمــه منهمـــرة ذو حكمة بالغة وقـــــــدرة مقتـدرة
الشمس والبــدر مــن آيـات قدرته والبـر والبحر فيـض من عطاياه
الطير سبحــــه والوحــش مجده والموج كبــره والحــوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصـم قدسه والنحل يهتـف له حمداً فى خلاياه
والناس يعصونـه جهـــرا فيسترهم والعبد ينســى وربـى ليس ينساه

اصبحى أيتها الشمس طالعة من المغرب فتسرع الشمس على الفور لتنفيذ أمر العزيز الحميد فتصبح طالعة من المغرب ، انظر إلى هذا العجب !!
وضح هذه المعنى رواية ابن مردويه بسند حسن بالشواهد من حديث عبد اللـه بن أبى أوفى أن الصادق المصدوق  قال : (( يأتى على الناس ليلة تعدل ثلاث ليالٍ من لياليكم ، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون ، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ حزبه ، ثم ينام فيفزعون إلى المساجد فإذا هم كذلك فإذا هم يرون الشمس قد طلعت من مغربها )) ( ).
انظر ماذا قال المصطفى الكريم  فإذا كان كذلك يعرفها المتنفلون : أى يعرفها القائمون بالليل لله رب العالمين !
اللـه أكبر!!! .. ما الذى يترتب على هذه الآية العظيمة ؟!
الذى يترتب على ذلك أن المصطفى  قال فى رواية أبى ذر التى ذكرتها آنفا قال :
(( أتدرون متى ذاكم ؟! )) أى أتدرون متى تطلع الشمس من مغربها ؟! قالوا : اللـه ورسوله أعلم ، قال : (( ذاك حين  لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا  [ الانعام : 158 ] .قال المصطفى  (( إذا طلعت الشمس من مغربها ورآها الناس آمنوا كلهم أجمعون )) ( ) .
ولكن هيهات هيهات !!.
وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أنه  قال :
(( ثـلاث إذا خرجـن لا ينفـع نفساً إيـمانهـا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً ، طلـوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض )) ( ) .
أيها الحبيب أذكر نفسى وأذكرك بالمبادرة بالتوبة والأوبة إلى اللـه عز وجل قبل أن يغلق اللـه باب التوبة علينا .
فإن المصطفى  يقول والحديث رواه أحمد بسند صحيح قال :
(( لا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل )) ( ) .
أيها اللاهى .. أيها الساهى .. أيها الغافل .. أيها المضيع للتوحيد .. أيها المضيع للصلاة .. أيها المضيع للزكاة .. أيها العاق لوالديه .. أيها المنصرف عن اللـه :
دع عنك ما قد فات فى زمن الصبا و اذكر ذنوبـــك وأبكها يا مذنب
لم ينسـه الملكــان حيـن نسيته بـل أثبتـــــاه وأنت لاه تلعب
والروح منك وديعــة أودعتهــا ستردها بالرغــم منــك وتسلب
وغرور دنيـاك التــى تسعى لها دار حقيقتهـا متـــــاع يذهب
الليل فاعلم و النهار كلاهمــــا أنفاسنـا فيهما تعـد وتحســـب

قال المصطفى  : كما فى صحيح مسلم من حديث أبى موسى الأشعرى :
(( إن اللـه عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) ( ) .
هنيئاً لمن طلعت الشمس عليه من مغربها وهو مستقيمُ على طاعة اللـه ، اللـهم اجعلنا من أهل التوحيد والإيمان والاستقامة ووفقنا للعمل الصالح الذى يرضيك يا رب العالمين .
قال جل وعلا :
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ 
[ فصلت : 30، 32 ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   4/11/2008, 12:33 am

الدابــــــــــــــة

قال جل وعلا :  وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ  [ النمل : 82 ] .
دابة تتكلم !! دابة تنطق !! تكلم الناس كلاماً مفهوماً واضحاً ، بل وتقيم عليهم الحجة وتذكرهم بأنهم كانوا لا يوقنون بآيات اللـه وكانوا لا يصدقون بها .
قال المصطفى  والحديث رواه مسلم من حديــث عبد اللـه بن عمر : ((أول أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على النـاس ضحى ، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً )) ( ) .
الدابة أمر عجب .. أمر مذهل .. لو تدبرته كاد قلبك أن ينخلع ، دابة تخرج تجوب الأرض كلها ، تفرق الدابة بين المؤمن والكافر ، وتعلم المؤمن بعلامة وتعلم الكافر بعلامة ، تسم الكافر على أنفه فيسود وجهه ، وتسم المؤمن فيضئ وجهه كأنه كوكب درى .. أمر عجب !!
ورد فى الحديث الذى رواه أحمد فى مسنده وصححه شيخنا الألبانى أن الحبيب النبى  قال : (( تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم )) ( )أى تعلم الناس على الأنوف .
بل وخذ هذه الحديث العجيب الذى رواه أحمد فى المسند والترمذى فى السنن وللأمانة العلمية التى اتفقنا عليها وأَصَّلناها من قبل أقول إن الشيخ الألبانى - حفظه اللـه - قد ضعف إسناد الحديث ومدار تضعيف الألبانى على علىّ بن زيد بن جدعان قال الألبانى فيه ضعف إلا أن العلامة أحمد شاكر قد صحح إسناد الحديث فقال على بن زيد بن جدعان مختلف فيه والراجح توثيقه وقال عن الحديث الإمام الترمذى حديث حسن قال  :
(( تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتسم أنف الكافر - أى تعلم أنف الكافر - وتجلو وجه المؤمن )) ويضئ وجه المؤمن كأنه كوكب درى ، (( حتى أن أهل الخوان الواحد - أى المائدة - يجتمعون على طعامهم فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر ، لأن الدابة بينت وأوضحت الحقيقة وميزت المؤمن من الكافر )) ( ) .
غالى بعض المصنفين - أقولها بصراحة - فى وصف الدابة وأعطوا لخيالهم العنان فوصفوا الدابة وصفاً درامياً خيالياً عجيباً ، فمنهم من قال رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد وقوائمها قوائم بعير إلى آخر هذا الوصف الدرامى .

الدخـــــــــــــــان

والدخان هو آخر العلامات التى سيشهدها المؤمن على ظهر الأرض ، وبقية العلامات هذه لا يراها المؤمن ولا يشهد عذابها الموحدون ، بل هذه العلامات التى سأذكرها الآن لا تقوم إلا على الكفرة الفجرة من شرار الخلق.
الدخان علامة كبرى :
قال عبد اللـه بن مسعود رضى اللـه عنه إن هذا الدخان كان علامة من العلامات التى وقعت فى الدنيا بدعاء النبى  على المشركين.
والدخان هنا قد وقع بالفعل ولكن الدخان الوارد فى حديث حذيفة بن أسيد الغفارى الذى هو علامة من علامات الساعة الكبرى ، يختلف تمام الاختلاف عن هذه العلامة التى رآها المشركون فى مكة بدعاء الصادق المصدوق  قال تعالى فى حق هذه العلامة :
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ( )(10)يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ  [ الدخان : 10 ، 11 ] .
إذا خرج الدخان لا يقبل اللـه التوبة كما ذكرت .
فإذا خرج الدخان يبعث اللـه ريحاً ألين من الحرير تقبض هذه الريح أرواح المؤمنين من على ظهر الأرض ، فلا يبقى على ظهر الأرض مؤمن .
يقول المصطفى  : (( فلا تدع أحداً فى قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ويبقى على الأرض شرار الخلق )) ( ) الكفرة الفجرة ممن لا يؤمن باللـه عز وجل .
كما فى صحيح مسلم من حديــث عبـد اللـه بن مسعود أن النبى قال : (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق )) ( ).
فى رواية مسلم من حديث أنس أنه  قال :
(( لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض اللـه )) .
لا يقال فى الأرض ( اللـه ) لأن الموحدين قد قبضوا فلا يبقى إلا الكفرة وهؤلاء لا يعرفون اللـه ولا يوحدون اللـه جل وعلا وعلى هؤلاء تقوم الساعة بل تظهر بقية العلامات الكبرى التى هى عذاب فى عذاب وبلاء فى بلاء .
ما هى هذه العلامات ‍؟!!

الخسوف الثلاثة

الخسف الأول بالمشرق :
يقع الخسف بالمشرق والخسف كما هو معلوم انشقاق الأرض قال تعالى حكاية عن قارون :  فَخَسفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ  [ القصص : 81 ] .
فيقع خسف بالمشرق على شرار الخلق بعد أن قبض اللـه أرواح المؤمنين .
الخسف الثانى بالمغرب والخسف الثالث بجزيرة العرب :
وبعد هذه الخسوف تخرج العلامة الأخيرة من علامات الساعــة الكبرى ألا وهى نار تخرج من قعر مدينة عدن ( المعروفة الآن باليمن ) فتطرد الناس جميعاً إلى محشرهم .
وفى رواية البخارى من حديث أنس أن عبد اللـه بن سلام رضى اللـه عنه قال : لما نظرت إلى وجه النبى عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فآمن بالنبى  - والشاهد .. أن عبد اللـه بن سلام سأل النبى  عن أسئلة جيدة من بين هذه الأسئلة سأله عن أول أشراط الساعة فقال المصطفى  : (( نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس من المشرق إلى المغرب )) ( ) .
وقد يلمح طالب العلم الفطـن تعارضـاً ظاهراً بين النصين لكن لا تعارض فقـول المصطفى  فى رواية حذيفة : (( وآخر ذلـك نـار )) أى أنهـا العلامـة التى إن وقعت وقعت القيامة بعدها بالنفخ فى الصور والبعث من القبـور .
يقول المصطفى  والحديث رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة
(( يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق راغبين وراهبين ، واثنان على بعير ، وثلاثة على بعير ، وأربعة على بعير وعشرة على بعير ، ويحشُرُ بَقيَّتَهُم النار ، تقيل معهم حيث قالوا ، وتبيت معهم حيث باتوا ، وتصبح معهم حيث أصبحوا ، وتمسى معهم حيث أمسوا )) ( ) .
قال القرطبى الحشر هو الجمع وهو أربعة أنواع الحشر الأول والثانى فى الدنيا والحشر الثالث والرابع فى الآخرة .
أما الحشر الأول : فهو المذكور فى قوله تعالى فى سورة الحشر :  مَا ظَنَنتُم أَن يخْرُجُوا  [ الحشر : 2 ] .

الحشر الثانى : هو الحشر الوارد فى حديث حذيفة وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ، إذاً حشر النار للناس لا يكون إلا فى الدنيا .

الحشر الثالث : حشر الناس من القبور وغيرها بعد البعث .

الحشر الرابع : حشر الناس إلى الجنة أو إلى النار نسأل اللـه أن يجعلنى وإياكم من أهل الجنان .
إذ الذى عليه جمهور المحققين من العلماء أن الحشر الوارد فى حديث حذيفة الذى هو علامة من علامات القيامة الكبرى لا يكون إلا فى الدنيا والدليل الصحيح الصريح على ذلك أن النبى  قد ذكر أن الحشر فى الآخرة يحشر فيه المؤمنون والكافرون حفاة عراة غرلا كما فى الصحيحين من حديث عائشة أن النبى  قال : (( تحشرون حفاة عراة غرلا )) قالت عائشة يا رسول اللـه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!
فقال المصطفى  : (( يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك )) ( ) .
وفى رواية أنس قال : (( يا عائشة لقد نزلت على آية لا يضرك أكان عليك ثياب أم لا )) فتلى النبى   لِكلِ امْرِئِ يَومَئذٍ شَأنٌ يغْنِيهِ  [ عبس : 37 ] .
تذكر وقوفـ: يوم العـرض عُرينا مستوحشـاً قلـق الأحشاء َحْيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنــق على العصاة ورب العرش غضبانا
اقـرأ كتابك ياعبدُ علـــى مَهَلٍ فهـل ترى فيه حرفـاً غير ما كان
فلما قرأت ولم تنكـر قراءتـــه وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نـادى الجليل خذوه يا ملائكتــى وامضـوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا
المشركون غــداً فى النار يلتهبوا والموحدون بـدار الخلــدُ سُكَّانا

وهكذا تنتهى علامات الساعة الكبرى التى ذكرها المصطفى  فى حديث حذيفـة بـن أسيد الغفارى الذى كنا معه طيلة اللقاءات الأربع الماضية لكن هنـاك عـلامة أخرى عجيبة غريبة قد تنزل الآن على القلوب فتهز القلوب هزاً لم تـرد فى حديث حذيفة ، ترى ما هى هذه العلامة العجيبة الغريبة ؟!!
إنها هدم الكعبة الشريفة حجراً حجراً ..
الكعبة بيت اللـه الذى تهوى إليه الأفئدة وتحن القلوب إليه الذى قال فى حقه علام الغيوب :
وَإِذْ جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمنًا  [ البقرة : 125 ] .
مثابة للناس : أى لا يملون منه كلما نظروا إليه وإذا انصرفوا عنه تجدد الشوق إليه وازداد الحنين لزيارته ورؤيته .
إن من علامات الساعة الكبرى هدم البيت الحرام ونقضه حجراً حجراً .
قلت قبل ذلك أن عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما ينزل إلى الأرض يقتل الدجال عليه من اللـه ما يستحقه ، ويدعو اللـه أن يهلك يأجوج ومأجوج فيستجيب اللـه دعاءه ، فيهلك يأجوج ومأجوج ويرسل المطر فنقى الأرض ، فأصبحت كالزُلقة أو الزَلقة أو الزُلفة أو الزَلفة أى كالمرآة فى صفائها ونقائها ، خرجت البركة من الأرض تنزلت الرحمات وحلت البركات ، وعاش الناس فى أمن وسلام فى وجود نبى اللـه عيسى ، فيذهب نبى اللـه عيسى ليحج البيت الحرام .
إذاً معنى ذلك أن يبقى الحج حتى فى عهد نبى اللـه عيسى ، فإذا ما قدر اللـه على عيسى الموت .
فيموت نبى اللـه عيسى فى المدينة المنورة ويصلى عليه المسلمون من أمة محمد ويدفنون نبى اللـه عيسى مع الحبيب المصطفى فى الحجرة المباركة ، وبعد ذلك تقع العلامات التى ذكرت الآن ولا يبقى إلا شرار الخلق ، تمحى آيات اللـه من المصحف ، لا يقول أحد كلمة لا إله إلا اللـه فلا يحجون البيت بل ولا يعرفون عن البيت شيئاً ، من بين هؤلاء الأشرار رجل من الحبشة ، هل تصدق أن الحبيب وصف شكله وكأنه ينظر إليه وهو يهدم الكعبة ؟؟
يقول المصطفى  : (( لا تقوم الساعة حتى يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة )) ( ) .
رجل يقال له ذو السويقتين من الحبشة ، بل وفى رواية البخارى من حديث ابن عباس قال المصطفى : (( كأنى أنظر إليه أسود أفحج ( ) ينقض الكعبة حجرا حجرا )) ( ) .
وبهذا تنتهى الحياة الدنيا بحلوها ومرها ، بحلالها وحرامها ، بخيرها وشرها ولا يبقى إلا الكفرة من شرار الناس وعليهم تقوم الساعة وذلك بعد أن يأمر اللـه جل وعلا إسرافيل أن يلتقم الصور وأن ينفخ النفخة الأولى ألا وهى نفخة الفزع مصداقاً لقوله جل وعلا :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرض إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ  [ النمل : 87 ] .
وأقف عند هذه المشهد لأواصل الحديث إن شاء اللـه تعالى عن بقية المراحل التى تأخذ القلوب والألباب واللـه أسأل أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض .

.......... الدعـاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   5/11/2008, 12:09 am

بسم اللـه الرحمن الرحيم




الحمد لله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة ، فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور ، ومن ضياء المهود إلى ظلمات اللحود ومن ملاعبة الجوارى والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ، ومن التنعم فى ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ فى ألوان الوحل والتراب !!
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له ، ينادى يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول : أنا الملك ..!! أنا الجبار ..!! أنا المتكبر ..!!
ثم يقول : لمن الملك اليوم ..؟؟! فيجيب على ذاته سبحانه !! لله الواحد القهار .
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ، ونصح للأمة فكشف اللـه به الغمة ولبى نداء ربه حتى أجاب مناديه ،ومشى طوال أيامه ولياليه على شوك الأسى يخطو على جمر الكيد والعنت ، يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين ، حتى عَلَّم الجاهل ، وَقوَّم المعوج ، وَأمَّن الخائف ، وطَمْأَن القلق ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس ضياءها فى سائر الأكوان .
اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه ، رفع اللـه له ذكره وشرح صدره وذكاه ربه على جميع خلقه ، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله :
 إِنَّكَ مَيتُُ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ  [ الزمر - 30 ] .
اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعــد ...
فحياكم اللـه جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الأخوة الأحباب الأعزاء وطبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا ، وأسأل اللـه العظيم جل وعلا الذى جمعنى وإياكم فى هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنى وإياكم فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك والقادر عليه .
أحبتى فى اللـه :-
في رحاب الدار الآخرة
سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق ، وبين التأصيل العلمى والأسلوب الوعظى تبدأ هذه السلسة بالموت وتنتهى بالجنة .
وقد تحتاج هذه السلسلة إلى جهد شاق حتى تتضح لنا معالمها ، لذا فإن الموضوع جد خطير ومن الأهمية بمكان ، لذا استحلفكم باللـه الذى لا إله
إلاَّ هو .. أن تعيرونى قلوبكم وعقولكم وأسماعكم حتى نقف على أهميتها ونسأل اللـه التوفيق ، ونسأله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنه ولى ذلك والقادر عليه ويجعلنا من الذين قال فيهم اللـه  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللـه وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ  [ الزمر : 18 ] .
أيها الأحبة الكرام :
وسوف أستهل هذه السلسلة بالحديث عن الموت ، فهذه هى المرحلة الأولى فى هذه الرحلة الطويلة .
أيها الخيار الكرام :
لقد بين اللـه جل وعلا لنا الغاية التى من أجلها خلقنا فقال سبحانه وتعالى :  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ .
[ الذاريات : 56 ].
بل وبين لنا حقيقة الدنيا التى جعلها محل اختبار لنا فقال سبحانه : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ  . [ الحديد : 20 ] .وأكد الحبيب المصطفى هذه الحقيقة فى حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى اللـه عنه قال صلى اللـه عليه وسلم (( لو كانت الدنيا تعدل عند اللـه جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء )) ( ) .
فالدنيا حقيرة عند اللـه أعطاها للمؤمن والكافر على السواء ، فلو كانت تزن عند اللـه جناح بعوضة ما سقى منها كافراً قط شربة ماء واحدة ، لذا كان المصطفى  يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة ، كما أوصى بذلك عبد اللـه بن عمر رضى اللـه عنهما كما فى صحيح البخارى :
(( كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )) ، وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .
ورحم اللـه من قال :
إن للـه عبــــــاداً فطنا طلقوا الدنيا وخافـــوا الفتنـا
نظروا فيهــــا فلما علمـوا أنها ليست لِحَـىٍّ وطنــــاً
جعلوها لُجَّــــــة واتخذوا صالح الأعمـال فيهـا سُفْنــا
فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار ، فحرثوها وزرعوها ... وفى الآخرة حصدوها .
فالـذم الوارد فى القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل ونهار فلقد جعل اللـه الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ، والذم الوارد للدنيا فى الكتاب والسنة لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض ، إذ أن اللـه قد جعل الأرض لبنى آدم سكناً ومستقراً .
والذم الوارد فى القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها اللـه عز وجل من خيرات ، فهـذه الخيـرات نعم اللـه على عبـاده وجميع خلقه .
إنما الذم الوارد فى القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب فى حق ربنا جل وعلا .
إذاً لابد وحتما من تأصيل هذا الفهم الدقيق لا سيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد فى هذه الحياة الدنيا ، فنحن لا نريد أن نُقنَّتْ أحداً من هذه الدنيا ، ولا نريد أن نثبت لعامل فى هذه الدنيا ولو كان فى الحلال أنه قد تجاوز عن طريق الأنبياء والصالحين والأولياء ... كلا ..!كلا ..!!
بل الدنيا مزرعة للآخرة .
تدبر معى قول على رضى اللـه عنه وهو يقول :
" الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن أخذ منها ، الدنيا مهبط وحى الأنبياء ومصلى أنبياء اللـه ومتجر أولياء اللـه ".
فالدنيا مزرعة للآخرة فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال النبى  :
(( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة )) ( ) .
إذاً لابد من هذا التأصيل والفهم العميق لحقيقة الدنيا ، لننطلق من هذه الدار الفانية إلى دار تجمع بين سلامة الأبدان والأديان .. دار القرار .
فلابد قبل العبور إلى دار القرار من المرور من دار الفناء ، فالدنيا دار ممر والآخرة هى دار المقر ، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور ، الدنيا دار فناء لا دار بقاء ، لابد من وعى هذه الحقيقة التى لا مراء فيها ، لنزرع هنا بذوراً ، لنجنى هنالك ثماراً .
فاعلم أيها الحبيب هذه الحقائق جيداً ، وكن على يقين جازم بأن الحياة فى هذا الدنيا موقوتة محدودة بأجل ، ثم تأتى نهايتها حتماً لابد ، فيموت الصالحون .. ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون .. ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة .. ويموت المستذلون للعبيد .. يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل ، والجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن .. الكل يموت .
قال اللـه جل وعلا :
كُل مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ  .
[ الرحمن : 26 ، 27 ] .
فلابد أن تستقر هذه الحقيقة فى القلب والعقل معاً ، إنها الحقيقة التى تعلن بوضوح تام على مدى الزمان والمكان فى أذن كل سامع وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للملك الحى الذى لا يموت ، إنها الحقيقة التى تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة العبودية والذل لقاهر السموات والأرض !!
إنها الحقيقة التى شرب كأسها تباعاً الأنبياء والمرسلون بل والعصاة والطائعون !!
إنها الحقيقة التى تذكرنا كل لحظة من لحظات الزمن بقول الحى الذى لا يموت :  لا إِلَه إِلا هُو كُلُّ شَئٍ هَالِكُ إِلا وَجْهُه  . [ القصص : 88 ].
أيها الحبيب تذكر هذه الحقيقة ولا تتغافل عنها إذ أن النبى أمرنا أن نكثر من ذكرها كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبى  قال :
(( أكثروا من ذكر هادم اللَّذات ( الموت ) )) ( ) .
إنها الحقيقة التى سماها اللـه فى قرآنه بالحق فقال جل وعلا :وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20)وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ[ ق : 19،21]لا إله إلا اللـه ... اللـه أكبر ... اللـه أكبر
إن للموت لسكرات ... هل علمت إن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت ؟
روى البخارى عن عائشة رضى اللـه عنها قالت : مات رسول اللـه  بين حاقنتى وذاقنتى وكان بين يديه ركوة ( علبة ) بها ماء فكان يمد يده فى داخل الماء ويمسح وجهه بأبى هو وأمى ويقول :
(( لا إله إلا اللـه إن للموت لسكرات )) ( ) .
هكذا يقول حبيب رب الأرض والسموات إن للموت لسكرات !! حبيب الرحمن يذوق سكرة الموت ، فما بالنا نحن ؟!!
وفى رواية الترمذى كان الحبيب  يقول :
(( إن للموت لسكرات وإن للموت لغمرات )) .
وفى رواية كان  يدعوا اللـه ويقول :
(( اللـهم أعنِّى على سكرات الموت )) .
 وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  :
وما أدراك ما السكرات ..! وما أدراك ما الكربات ..! فى هذه اللحظات يزداد الهم والكرب ، فى لحظات السكرات إذا نمت يا ابن آدم على فراش الموت ورأيت فى غرفتك التى أنت فيها دون أن يرى غيرك ، رأيت شيطاناً جلس عند رأسك يريد الشيطان أن يضلك عن كلمة الإخلاص" لا إله إلا اللـه "، يريد الشيطان أن يصدك عنها ، يقول لك : مُت يهودياً فإنه خير الأديان ، يقول لك : مُت نصرانياً فإنه خير الأديان .
واستدل أهل العلم على ذلك بصدر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أن رسول اللـه  قال : (( إن الشيطان يُحضِرُ كل شئ لابن آدم ..)) .
بل وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية طَيَّبَ اللـه ثراه عن مسألة عَرْض الأديان على ابن آدم فى فراش الموت ، فقال فى مجموع الفتاوى ( ) : "من الناس من تعرض عليه الأديان ومنهم من لا يعرض عليه شئ قبل موته ، ثم قال : ولكنها من الفتن التى أمرنا النبى أن نستعيذ منها فى قوله  :
(( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال )) ( ) .
فمن فتن الموت أن يأتيك الشيطان ليصدك عن لا إله إلا اللـه ، ليصدك عن كلمة التوحيد ، هذه من الكربات ، هذه من أشد السكرات على ابن آدم ولا حول ولا قوة إلا باللـه .
هل علمت أُخَىّ فى اللـه أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حينما نام على فراش الموت ذهبت إليه الشياطين لتنادى عليه بهذه الكلمات ، قال عبد اللـه ولده : " حضرت وفاة أبى فنظرت إليـه فإذا هو يغرق ثم يفيق ثم يشير بيده ويتكلم ويقول : لا بَعْد ..!! لا بَعْد ..!! .
فلما أفاق فى صحوة بين سكرات الموت وكرباته ، قال له ولده عبد اللـه يا أبتى ماذا تقول ؟! تقول لا بعد ، لا بعد ..!! ما هذا ؟!!
أتدرى ماذا قال إمام أهل السنة ؟؟
قال لولده : يا بنى شيطان جالس عند رأسى عاضٌ على أنامله يقول لى: يا أحمد لو فُتَّنى اليوم ما أدركتك بعد اليوم وأنا أقول له : لا بعد ، لا بعد حتى أموت على لا إله إلا اللـه .
فإذا كنت حقا من المؤمنين الصادقين .. من الموحدين المخلصين وجاءتك الشياطين ثبتك رب العالمين وأنزل إليك ملائكة التثبيت ، كما فى حديث البراء بن عازب الصحيح وسأذكر الحديث بتفصيله لاحقاً إن شاء رب العالمين ، إلاَّ أن محل الشاهد فيه الآن أن النبى  أخبر : (( أنَّ المؤمن إذا نام على فراش الموت جاءته ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم كفنُُ من أكفان الجنة وحنوطٌ من حنوط الجنة فيجلسون من المؤمن مُدَّ البصر حتى يأتى ملك الموت فيجلس عند رأسه وينادى على روحه الطيبة وهو يقول : أيتها الروح الطيبة اخرجى حميدة وابشرى بروحٍِ وريحان وربٍ راضٍ عنك غير غضبان ، فتخرج روح المؤمن سهلة سلسة كما يسيل الماء من فِىِّ السقاء فلا تدعهـا الملائكــة فى يد ملك الموت طرفة عين ، ثم ترقى بها إلى اللـه جل وعلا .. )) ( ) .
هكذا أيها الأحبة ..
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ  [ إبراهيم : 27 ] .
ولقد سجل اللـه هذه البشارة للموحدين فى قرآنه العظيم فقال تعالى:
 إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ  [فصلت:30،32] .
وقال تعالى :  يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ  [ إبراهيم : 27 ]
.
قال ابن عباس : القول الثابت هو لا إله إلا اللـه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل اللـه الظالمين ويفعل اللـه ما يشاء .
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق : 19]
والحق أنك تموت واللـه حى لا يموت ، الحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ
والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   5/11/2008, 12:13 am

ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ  ذلك ما كنت منه تهرب .
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض ، وتحيد إلى الشراب إذا أحسستَ بالظمأ ، ثم ماذا أيها القوى الفَتِىّ ؟! ثم ماذا أيها العبقرى الذكى ؟! ثم ماذا أيها الوزير والأمير ؟! ثم ماذا أيها الكبير والصغير ؟! ثم ماذا أيها الغنى والفقير؟!
اسمع يا هذا وذاك :
كل باك فَسَيُبكَى
كل مَذْكور سَيُنْسَـــــى وكل ناعٍ فَسَيُنعَى
ليــس غيــرُ اللـه يبقى
مـن عــلا فاللـه أعلـــى
أيا من يَدَّعِ الفهم
تعب الذنب والذنب
أمــا بـــان لك العيب؟ إلى كم يا أخى الوهم
وتخطئ الخطأ الجم
أما أنـــذرك الشـــيب
ومــا فـى نصحـه ريــــب
أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفَوْت
فكم تسير فى الهوى
كأنى بك تنحط
وقد أسلمك الرهط
هناك الجسم ممدود
إلى أن ينخر العود
فزود نفسك الخير
وهيأ مركب السير
بذا أوصيك يا صاح
فطـــوبى لفتـــى راح أما نادى بك الموت
فـتحتاط وتهتم
وتختال من الزهو
إلى اللحد وتنغط
إلى أضيق من سم
ليستأكله الدود
فيمسى العظم قد رم
ودع ما يعقب الضير
وخاف من لجة اليم
وقد بحتك من باح
بقــرآن الــرب يهتــم
وبـآداب محمــد يأتــم
وصدق اللـه عز وجل إذ يقول :
كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ(26)وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ(27)وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ(28)وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29)إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ 
[ القيامة : 26 ، 30 ] .
كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ(26)وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ إذا بلغت الروح الترقوة
 وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  من يرقيه ؟!! من يرقى بروحه ؟!! ملائكة الرحمة ؟ أم ملائكة العذاب ؟ .
من يبذل له الرقية ؟ من يبذل له الطب والعلاج ؟! فهو من هو ؟!!
صاحب الجاه والسلطان ! صاحب الأموال والأطيان ! انتقل فى طيارة خاصة إلى أكبر مستشفى فى العالم ، التف حوله أكبر الأطباء ، هذا متخصص فى جراحة القلب والبطن وهذا متخصص فى جراحة المخ والأعصاب ، وهذا متخصص فى كذا ، وذاك متخصص فى كذا !! .
التف حوله الأطباء يريدون شيئاً وملك الملوك أراد شيئاً آخر .
قال تعالى :  وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ  [ الأعراف : 34 ] .
 أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ 
[ النساء : 78 ] .
والتف حوله الأطباء مرة أخرى ،كل يبذل له العلاج والرقية !!
ولكن حاروا وداروا !!
اصفر وجهه ، شحب لونه ، بردت أطرافه ، تجعد جلده ، بدأ يشعر بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه !!
فينظر فى لحظة السكرة والكربة فيرى الغرفة التى هو فيها مرة فضاءً موحشاً ومرة أخرى أضيق من سم الخياط .
وينظر مرة فيجد أهله يبتعدون عنه وأخرى يقتربون منه ، اختلطت عليه الأمور والأوراق !!
من هذا ..؟!! ملك الموت !! ملك الموت عند رأسه ، ومن هؤلاء الذين يتنزلون من السماء ؟!!
إنه يراهم بعينه ، إنهم الملائكة !! يا ترى ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟!!
يا ترى ماذا سيقول ملك الموت ؟!!!
هل سيقول لى الآن يا أيتها الروح الطيبة اخرجى إلى مغفرة من اللـه ورضوان ورب راض غير غضبان ؟!!
أم يقول يا أيتها الروح الخبيثة اخرجى إلى سخط اللـه وعذابه ؟
ينظر لحظة الصحوة بين السكرات والكربات ، فإذا هو يعى من حوله من أهله وأحبابه فينظر إليهم نظرة استعطاف !! نظرة رجاء !!
فيقول بلسان الحال وربما بلسان المقال : يا أولادى .. يا أحبابى .. يا أخوانى لا تتركونى وحدى ، ولا تفردونى فى لحدى !!
أنا أبوكم ، أنا الذى بنيت لكم القصور !! أنا الذى عَمَّرت لكم الدور! أنا الــذى نمَّيت لكـم التجارة !! فمن منكم يزيد فى عمرى ساعة أو ساعتين؟
فدُّونى بأموالى .. فدُّونى بأعماركم !!
وهنا يعلو صوت الحق كما قال جل وعلا :
 مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  [الحاقة : 28،29 ]وقد سجل التاريخ لهارون الرشيد عندما نام على فراش الموت فنظر إلى جاهه وماله وقال : ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه !!
ثم قال : أريد أن أرى قبرى الذى سأدفن فيه !!
فحملوه إلى قبره ، فنظر هارون إلى القبر وبكى ونظر إلى السماء وقال :
يا من لا يزول ملكه ... ارحم من قد زال ملكه .
أين الجاه ؟! أين السلطان ؟! أين المال ؟! أين الأراضى والأطيان ؟! ذهب كل شئ !!
سبحانه ... سبحانه ... سبحانه .
سبحان ذى العزة والجبروت ، سبحان ذى الملك والملكوت ، سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه ، وهو الحى الذى لا يموت .
سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة .
سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة .
كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ(26)وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  :
من يرقى بروحه ؟!! أو من يبذل له الرقية والعلاج ؟!!
وقال سبحانه  وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ(28)وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29)إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ  .
إنه يوم المرجع .. إنه يوم العودة ... انتهى الأجل ... انتهت الدنيا وحتماً ستعرض على مولاك .
سأل سليمان بن عبد الملك عالمـاً من علماء السلف يقال له أبو حازم ، قال سليمان : يا أبا حازم ، ما لنا نكره الموت ؟!
قال أبو حازم : لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب !!
أحبتى فى اللـه :
فى زيارة إلى أمريكا نبهنى أحد القائمين على الدعوة هناك برجل مَنَّ اللـه عليه بالأموال ، وهو مسلم عربى ومع ذلك لا يصلى ، ولا يعرف حق الكبيـر المتعـال ذهبـت إليه لأذكره باللـه فقال لى بلسان المقال : أنا أتيت إلى هذه البلاد من أجل الدولار وأعدك إن عدت إلى بلدى لا أفارق المسجد قط.
قلت : سبحان اللـه .. ومنْ يضمن لك يا مسكين أنك سترجع إلى بلدك ؟!! ، أو أن يمر عليك يوم بكامله ؟!!!
واللـه لا تضمن أن تتنفس بعد هذه اللحظات .
دع عنك ما قد فات فى زمن الصبا واذكر ذنوبـك وابكهــا يا مذنب
لــم ينسه الملكان حيـن نسيتـه بل أثبتــاه وأنـــت لاه تلعب
والروح منك وديعـــة أودعتها ستردهــا بالرغـم منك وتسلب
وغـرور دنياك التى تسعـى لهـا دار حقيقتها متـاع يذهــــب
الليـل فاعلم و النهـــار كلاهما أنفاسنا فيهما تعــــد وتحسـب

دنياك مهما طالت فهى قصيرة .. ومهما عظمت فهى حقيرة .. لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر .. ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر .
ثم سأل سليمان بن عبد الملك ، وقال : يا أبا حازم كيف حالنا عند اللـه تعالى ؟!!
قال : اعرض نفسك على كتاب اللـه .
قال سليمان : أين أجده ؟!!
قال : فى قوله تعالى :  إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  . [ الانفطار : 13 ، 14 ] .
قال سليمان بن عبد الملك : فأين رحمة اللـه يا أبا حازم ؟!!
قال أبو حازم إِنَّ رَحمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ المحُسِنِينَ[ الأعراف:56]
فقال سليمان بن عبد الملك : فكيف عَرضُنَا على اللـه غداً .
قال : أما المحسن فكالعبد الغائب من سفر يقدمُ على أهله ، فيستقبله الأهل بفرح ، والمسىء كالعبد الآبق يقدِمُ على مولاه .
وفى الصحيحين من حديث عائشة رضى اللـه عنهـا أن النبى  قال: (( من أحب لقاء اللـه أحب اللـه لقاءه ، ومن كره لقاء اللـه كره اللـه لقاءه )) .
قالت عائشة : يا رسـول اللـه أكراهية الموت ؟ كلنا يكره الموت .
قال : (( لا يا عائشة ، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة اللـه ورضوانه وجنته أحب لقاء اللـه وأحب اللـه لقاءه ، وإن الكافر إذا بشر بسخط اللـه وعذابه كره لقاء اللـه وكره اللـه لقاءه )) ( ) .
وفى صحيح البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللـه عنه أن رسول اللـه  قال : (( إذا وضعت الجنازة وحملها الرجال على الأعناق تكلمت وسمعها كل شئ إلا الثقلين - أو قال : إلا الإنسان - ولو سمع الإنسان لصعق ، فإن كانت صالحة قالت : قدمونى قدمــونى !! وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها ..!! أين يذهبون بها !! )) ( ) اللـهم سلم.. سلم .
أيها اللاهى .. أيها الساهى .. أيها الشاب .. أيها الكبير .. أيها الصغير .. أيها الأمير .. أيها الوزير .. أيها الحقير ..
ذكر نفسك ، وقل لها !!
يا نفس قـــد أزف الرحيــل وأظلك الخطب الجليــــــلُ
فتأهبــــى يا نفـــــس لا يلعب بك الأمـــــل الطويـلُ
فلتنـــزلــن بمنـــــزل ينسى الخليـلَ بـه الخليــــلُ
وليركبن عليـك فيـــــــه من الثَّرَى حمل ثقيـــــــلُ
قرن الفنــاء بنـا جميعــــا فلا يبقى العزيــــز ولا الذليلُ

وأقول قولى هذا واستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً نبيه ورسوله ، اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد ... فيا أيها الأحبة الكرام ...
هكذا تبدأ رحلتنا فى رحاب الدار الآخرة بالموت بعدما بَيَّنا بإيجاز حقيقة الدنيا وتنتهى هذه المرحلة الأولى بالوصول إلى القبر ، وها أنا سأقف معكم إن شاء اللـه تعالى لاحقا أمام القبر ، وحقيقة القبر ، وما معنى البرزخ وما معنى النعيم ، وما معنى الجحيم ، ولماذا لم يذكر اللـه عذاب القبر صراحة فى القرآن ؟ وهل ثبتت أحاديث صحيحة عن النبى  ؟ وما هى حقيقة القبر؟ وما هى حقيقة البعث ؟ لنواصل هذه الرحلة التى هى من الأهمية بمكان .
ها أنا ذا أذكر نفسى أولاً ثم إخوانى وأحبابى فى هذه اللحظة بالتوبة والإنابة إلى رب الأرض والسموات وأقول :
يا من أسرفت على نفسك بالمعاصى !!
يا من تركت الصلاة فى بيوت اللـه !!
يا من تركتِ الحجاب الشرعى وضيعت الصلاة !!
يا من شغلك هُبَل العصرى ( التلفاز ) والشيطان عن اللـه عز وجل !!
يا من أعرضت عن مجالس العلم وأماكن الخير والطاعة والعبادة !!
يا من قضيت عمرك على المقاهى وتركت طاعات اللـه .
تُبْ من الآن إلى اللـه وسيقبل اللـه توبتك إن كانت خالصة لوجهه قال تعالى :  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  .
[ الزمر : 53 ].
أقول لك أخى الحبيب :
تُـبْ إلى اللـه ولا تيأس مهما بلغت ذنوبك ، مهما كثرت معاصيك اطرق باب الرحمن ، فلن يغلق اللـه فى وجهك قط ما دمت تستغفر وتتوب إليه  إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ  [ النساء : 48 ] .
فعاهد نفسك من الآن على التوبة أينما كنت ألم يقل اللـه عز وجل؟!!
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [ التحريم : 8 ] .
يقول: (( قال اللـه تعالى فى الحديث القدسى : " يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، يا ابن آدم لو أتيتنى بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتى لا تشرك بى شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " )) ( ) .أيها الحبيب ...
اجتهد فى الدنيا وَعَمِّر الكون واربح ما استعطت من أموال ولكن بشرطين أن تربح من حلال ، وتؤدى حق الكبير المتعال .
اجتهد فى الدنيا وازرع للآخرة ، فأنا لا أريد أن أقنِّتك من هذه الحياة قط وإنما أريد أن أذكر نفسى وإياك بأن الدنيا مزرعة للآخرة ، فلا ينبغى أن ننشغل بالدار الفانية على الباقية ، فغداً سترحل عن هذه الحياة ولن ينفعك إلا ما قدمت .
(( يتبع الميت ثلاث ، ماله ، وأهله ، وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله )) ( ) .
وينادى عليك فى القبر بلسان الحال :
رجعـــــوا وتركــــوك و فـى التـــراب وضعــوك
وللحســـاب عرضــــوك ولـو ظلوا معــك ما نفعــوك

ولم يبقى لك إلا عملك مع رحمة الحى الذى لا يموت .
.......... الدعــاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الجزار
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد الرسائل : 422
تاريخ التسجيل : 08/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   5/11/2008, 2:01 am


_________________
منتدي الطريق إلي الإسلام يمنع منعا باتا وضع أي مواضيع بدون ذكر المصادر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islamyatway.ahlamontada.net
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   5/11/2008, 11:35 pm

بسم اللـه الرحمن الرحيم




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .
من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ...
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  . [ آل عمران - 102 ] .
 يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  . [ النساء -1 ] .
 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِـرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .

أما بعـــد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللـه وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار .
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا الرابع مع دروس سلسلة الدار الآخرة ، وكنا قد أنهينا آنفا الحديث عن العلامات الصغرى التى ستقع بين يدى الساعة ، والآن حديثنا عن العلامات الكبرى التى ستقع قبل قيام الساعة مباشرة ، وقد ذكر النبى هذه العلامات فى حديثه الصحيح الذى رواه مسلم فى كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى رضى اللـه عنه قال : اطلع علينا النبى  ونحن نتذاكر فقال : (( ما تذاكرون ؟ )) قلنا : نذكر الساعة قال : (( إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ، فذكر الدخان ، والدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج ، وثلاثة خسوف ، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم )) ( ) .
ولقد ذكر المصطفى  هذه العلامات بغير هذا الترتيب فى روايات أخرى صحيحة والذى يترجح من الأخبار كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى :
أن خروج الدجال هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة فى معظم الأرض وينتهى ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال وينتهى ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع فى نفس اليوم الذى تطلع فيه الشمس من المغرب ، واللـه أعلم ( ) .
ولكن على أى حال فإن العلامات الكبرى ستقع متتابعة فهى كحبات العقد إذا انفرطت منه حبه تتابعت بقية الحبات .
ففى الحديث الذى رواه أحمد والحاكم فى مستدركه وصححه على شرط مسلم وأقره الحاكم والذهبى والألبانى من حديث أنس .أن النبى  قال : (( الأمارات ( أى العلامات الكبرى ) خرازات منظومات فى سلك ، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً )) ( ) .
واسمحوا لى أن أستهل الحديث اليوم مع حضراتكم فى العلامات الكبرى عن الآية العظيمة الأولى التى تؤذن بتغير الأحوال على الأرض ، ألا وهى المسيح الدجال ... وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعا فسوف أركز الحديث فى العناصر التالية :
أولاً : الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض .
ثانياً : وصف دقيق للدجال وفتنته .
ثالثاً : ما السبيل إلى النجاة .
فأعرنى قلبك جيدا ... وأعرنى سمعك تماما ... فإن الموضوع من الخطورة بمكان .

أولاً : الدجال أعظم فتنة على وجه الأرض

فتدبر جيدا أيها الحبيب وقِفْ على خطر هذه الفتنة ! ، فالدجال أعظم فتنة على وجه الأرض من يوم أن خلق اللـه آدم إلى قيام الساعة .
لماذا سمى الدجال بالمسيح الدجال ؟!!
سمى الدجال بالمسيح لأن عينه ممسوحة قال المصطفى  : (( الدجال ممسوح العين )) ( ) وسمى بالدجال لأنه يغطى الحق بالكذب والباطل فهذا دجل فسمى بالدجال وفتنة الدجال فتنة عظيمة !!
وفى صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين رضى اللـه عنهما قال: سمعت رسول اللـه  يقول : (( ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال )) ( ) .
وأمرُ الدجالِ أمرُُ غيبى والأمر الغيبى لا يجوز أن نتكلم فيه بشىء من عند أنفسنا إنما ننقل عن الصادق المصدوق  الذى لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ، وأنوه أيضاً أننا لا نلتفت إلا لما صح من حديث رسول اللـه  كعادتنا ولله الحمد والمنة .
روى ابن ماجة فى سننه وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم فى المستدرك وصحح الحديث الشيخ الألبانى من حديث أبى أمامة الباهلى أن الحبيب  قال :
(( إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ اللـه ذرية آدم أعظم من فتنة المسيح الدجال ولم يبعث اللـه نبيا إلا وقد أنذر قومه الدجال ، وأنا آخر الأنبياء ، وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ،فإن يخرج الدجال وأنا بين أظهركم فأنا حجيج لكل مسلم ، وإن يخرج الدجال من بعدى فكل امرىء حجيج نفسه ، واللـه خليفتى على كل مسلم )) .
يا لها من كرامة لأمة الحبيب محمد صلى اللـه عليه وسلم .
ففتنة الدجال عظيمة ! ..أعظم فتنة على وجه الأرض بشهادة الصادق المصدوق  الذى لا ينطق عن الهوى .
أحبتى فى اللـه :
لقد وصف النبى  الدجال وصفاً دقيقاً محكماً وبين لنا فتنته بياناً شافيا حتى لا يغتر بالدجال أحد من الموحدين باللـه رب العالمين ... وهذا هو عنصرنا الثانى ...

ثانياً : وصفُُ دقيقُُ للدجال وفتنته

وصف النبى  الدجال فقال :
والحديث رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى من حديث ابن عمر رضى اللـه عنهما قال :
قام رسول اللـه  فى الناس خطيبا فحمد اللـه وأثنى على اللـه بما هو أهله .... فذكر الدجال فقال : (( إنى لأنذركموه ، وما من نبى إلا وقد أنذر قومه الدجال ، ولقد أنذر نوح قومه ، ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبى لقومه ألا فاعلموا أنه أعور وأن اللـه ليس بأعور )) ( ) .
وفى رواية أعور العين اليمنى ، وفى رواية أخرى صحيحة أعور العين اليسرى ، اعلموا أنه أعور وأن اللـه ليس بأعور جل جلاله ، جل ربنا عن الشبيه .. وعن النظير .. وعن المثيل .. لا كفء له ، ولا ضد له ، ولا ند له ولا شبيه له ، ولا زوج له ولا ولد له  قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ  ،  لَيسَ كَمثْلِهِ شَىءُُ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ  .
ثم قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : (( الدجال ممسوح العين ، مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤه كل مسلم )) ( ) .
ماذا تريد بعد ذلك من الرحمة المهداه والنعمة المسداة من الذى قال ربه فى حقه ... بالمُؤمِنِينَ رَؤوفُُ رَحِيمُُ 
يبين لك لتتعرف على الدجال إن خرج بين أظهرنا ، يقول لك ممسوح العين ... مكتوب بين عينيه كافر... يقرؤه كل مسلم .
وفى رواية حذيفة فى صحيح مسلم قال  :
(( الدجال ، مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب )) ( ) .
لا ينبغى أن نصرف لفظ النبى  على غير ظاهره ، الكتابة على جبين الدجال كتابة حقيقية لدرجة أنه وردت فى رواية فى صحيح مسلم قال  : (( الدجال ممسوح العين ، مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أى كافر )) ( ) .
وصف عجيب للدجال من رسول اللـه عليه الصلاة والسلام !
أستحلفك باللـه أن تتدبر معى هذا المطلع العجيب الذى رواه مسلم فى كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن اليمان رضى اللـه عنه قال الذى لا ينطق عن الهوى  :
(( لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال ، معه نهران يجريان أحدهما رأى العين ماء أبيض ، والأخر رأى العين نار تأجج ، فإما أدركن أحد فليأت النهـر الذى يراه ناراً ، وليغمض ، ثم ليطأطىء رأسه فليشرب منه فإنه ماء بارد )) ( ) .
يقول لنا الصادق المصدوق  لا تخشى نار الدجال فهو دجال يغطى الحق بالكذب والباطل ، إن رأيت ناره فاعلم بأنها ماء عذب بارد طيب .
وفى رواية أخرى فى صحيح مسلم لحذيفة رضى اللـه عنه أن النبى  قال : (( يخرج الدجال وإن معه ماء ونار ، فما يراه الناس ماء فهى نار تحرق وما يراه الناس نارا فهو ماء بارد عذب )) ( ) .
فى حديث النواس بن سمعان رضى اللـه عنه أنه قال : سأل الصحابة رسول اللـه  عن المدة التى سيمكثها الدجال فى الأرض ، فقال الحبيب  : (( أربعون يوما ، يوم كسنة ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كسائر أيامكم )) ، قلنا : يا رسول اللـه اليوم الذى كسنة تكفينا فيه صلاة يوم وليلة ؟ قال : (( لا ، اقدروا له قدره )) ( ) يعنى صلوا الفجر وعدوا الساعات التى كانت قبل ذلك بين الفجر والظهر ، وصلوا الظهر ، وعدوا الساعات التى كانت بين الظهر والعصر وهكذا .
فسأل الصحابة رسول اللـه  وما زلنا فى حديث النواس ابن سمعان ، وما سرعته فى الأرض ؟! (( يمكث فى الأرض أربعين ليلة فيمر على الأرض كلها ؟ سرعته كالغيث " أى المطر " استدبرته الريح )) ... يعنى يمر فى كل أرجاء وأنحاء الأرض .
ثم قال الحبيب  :
(( يأتى الدجال على قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون ، فيأمر السماء فتمطر ، والأرض فتنبت ، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر )) .
فتنة رهيبة !!
فلو عقل هؤلاء لعلموا أن صفات النقص من أعظم الأدلة على كفره وبطلان إدعاءاته .
رب يبـول الثعلبـــان برأسه لقد ذل من بالـت عليه الثعالب
لو كان ربــا كـان يمنع نفسه فلا خير فى ربٍ نأته المطالـب
برئت من الأصنام فىالأرض كلها و آمنـت باللـه الذى هو غالب

إن الذى يستحق أن يعبد هو المتصف بكل صفات الكمال والإجلال .
ثم ينطلق الدجال إلى قوم آخرين فيقول لهم ..أنا ربكم فيقولون :لا ويكذبونه .
يقول المصطفى  : (( ويمر بالخربة فيقول لها : أخرجى كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل " أى جماعات النحل " ))
فتنة رهيبة !!
ثم تزداد الفتنة !!!
يقول النبى  ثم يدعوا رجلا ممتلئا شبابا ، فيضربه بالسيف ، فيقطعه جزلتين ، فيمشى الدجال بين القطعتين أمام الناس ويقول للشاب قم فيستوى الشاب حيا بين يديه !!.
فتنه رهيبه !!!
وفى رواية أبى سعيد الخدرى فى صحيح مسلم ( ) يقول المصطفى : (( فيخرج إليه شاب فتلقاه المسالح ، مسالح الدجال ( أى أتباعه من اليهود الذين يحملون السلاح ) فيقولون له : أين تعمد ؟
فيقول : إلى هذا الذى خرج ( أى إلى الدجال ) فيقولون له أولا تؤمن بربنا ؟ … فيقول : ما بربنا خفاء ، أى لو نظرت إلى الدجال سأعرفه !
فيقولون : اقتلوه ، فيقولوا بعضهم لبعض : أو ليس قد نهانا ربنا أن نقتل أحداً دونه ، فينطلقون بهذا الرجل المؤمن إلى الدجال ، فإذا نظر المؤمن إليه قال : أيها الناس ! هذا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   5/11/2008, 11:37 pm

هذا المسيح الدجال الذى ذكره لنا رسول اللـه  يقول المصطفى: (( فيأمر الدجال به فيشبح ، فيقول : خذوه وشجوه ، فيوسع ظهره وبطنه ضربا ، قال : فيقول : أما تؤمن بى ؟ فيقول : أنت المسيح الكذاب ؟ قال : فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ، قال : ثم يمشى الدجال بين القطعتين ،: ثم يقول له: قم ، فيستوى قائما ، قال : ثم يقول له : أتؤمن بى ؟ فيقول : ما ازددت فيك إلا بصيرة ؟ قال : ثم يقول : يا أيها الناس : إنه لا يفعل بعدى بأحد من الناس ، قال : فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسا ، فلا يستطيع إليه سبيلا ، قال : فيأخذ بيديـه ورجليه فيقذف به ، فيحسب الناس أنما قذفه فى النـار وإنما ألقى فى الجنة )) فقال رسول اللـه  : (( هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين )) ( )
وسأختم حديثى عن فتنة الدجال بحديث عجيب رواه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم من حديث تميم الدارى رضى اللـه عنه من حديث فاطمة بنت قيس عن تميم الدارى .
من حديث فاطمة بنت قيس رضى اللـه عنها قالت : سمعت منادى رسول اللـه  ينادى :
" الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول اللـه  ، وكنت فى النساء التى تلى ظهور القوم فلما قضى الرسول  صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقالSad( أيها الناس ليلزم كل إنسان مصلاه )) ثم قال (( أتدرون لم جمعتكم ؟ )) قالوا : اللـه ورسوله أعلم .
فقال رسول اللـه :
(( أما إنى واللـه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الدارى كان رجلا نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدثنى حديثا وافق الذى كنت أحدثكم عن المسيح الدجال ، حدثنى أنه ركب فى سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجزام " قبيلتان عربيتان مشهورتان " فلعب بهم الموج شهرا فى البحر ثم أرفؤوا ( ) إلى جزيرة فى البحر حتى مغرب الشمس ، فجلسوا فى أقرب السفينة فدخلوا جزيرة فلقيتهم دابة أهلب ( ) كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره ، فقالوا : ويلك ، من أنت ؟ قالت : أنا الجساسة ، قالوا : وما الجساسة ، قالت : أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل فى الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق ، فلما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانه ، قال : فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير ، فإذا أعظم إنسان رأيناه قط خلقا ، وأشده وثاقا ، مجموعة يداه إلى عنقه ، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا : ويلك ما أنت ؟ قال : قد قدرتم على خبرى ، فأخبرونى : ما أنتم ؟ قالوا : نحن أناس من العرب ، ركبنا فى سفينة بحرية ، فصادفنا البحر حين اغتلم ، فلعب بنا الموج شهرا ، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه ، فجلسنا فى أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا ندرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الجساسة ، قلنا : وما الجساسة ؟ قالت : اعمدوا إلى هذا الرجل الذى فى الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعا ، وفــزعنا منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانة ، فقال : أخبرونى عن بيسان قلنا : وعن أى شأنها تستخبر ؟ قال : أسألكم عن نخلها هل يثمر ؟ قلنا له: نعم ، قال : أما إنه يوشك أن لا يثمر ، قال : أخبرونى عن بحيرة طبرية، قلنا : عن أى شأنها تستخبر ؟ قال : هل فيها ماء ؟ قالوا هى كثيرة الماء ، قال : أما إن ماءها يوشك أن يذهب ، قال : أخبرونى عن عين زغر، قالوا : عن أى شأنها تستخبر ؟ قال : هل فى العين ماء ؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له : نعم ، هى كثيرة الماء ، وأهلها يزرعون من ماءها ، قال : أخبرونى عن نبى الأميين ، ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم ، قال : كيف صنع بهم ؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يلية من العرب وأطاعوه ، قال لهم : قد كان ذلك ؟ قلنا : نعم ، قال أما إن ذاك خيرا لهم أن يطيعوه ، وإنى مخبركم عنى ، أنا المسيح ، وإنى أوشك أن يؤذن لى فى الخروج ، فسأخرج فأسير فى الأرض ، فلا أدع قرية إلا هبطتها فى أربعين ليلة ، غير مكة وطيبة فهما محرمتان على كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحـدة ، أو واحدا منهما ، استقبلنى ملك بيده السيف صلتا يصدنى عنها ، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها )) قالت : قال رسول اللـه  : وطعن بمخصرته فى المنبر (( هذه طيبة .. هذه طيبة )) يعنى : المدينـة (( ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك ؟ )) فقـال النـاس : نعم ، قال : (( فإنه أعجبنى حديث تميم لأنه وافق الذى كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة ، ألا إنه فى بحر الشام أو بحر اليمن ، لا بل من قبل المشرق ، ما هو ؟ من قبل المشرق ما هو ؟ ، وأومأ بيده إلى المشرق )) قالت : فحفظت هذا من رسول اللـه  .
أيها الأحبة الكرام :
هذا قليل من كثير ، فلا زال هناك الكثير عن فتنة الدجال ، فقد أجملت لكم ما يسر اللـه عز وجل ، لنقف على خطورة هذه الفتنة .
وهناك سؤال لابد أن يطرح فى هذا المجال ألا وهو :
هل سيقتل الدجال ؟! ومن الذى سيقتله ؟ !!!
نعم ... أبشروا سيقتل الدجال وسيقتله عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
روى ابن ماجة فى سننه والحاكم فى المستدرك وصحح الحديث الألبانى من حديث أبى أمامة الباهلى أنه  قال :
(( بينما إمام المسلمين يصلى بهم الصبح فى بيت المقدس إذا نزل عيسى بن مريم ، فإذا نظر إليه إمام المسلمين عرفه ، فيتقهقر إمام المسلمين لنبى اللـه عيسى ليصلى بالمؤمنين من أتباع سيد النبين محمد ، فيأتى عيسى عليه السلام ويضع يده فى كتف إمام المسلمين ويقول : لا بل تقدم أنت فصلى فالصلاة لك أقيمت ، وفى لفظ ...فإمامكم منكم يا أمة محمد ويصلى نبى اللـه عيسى خلف إمام المسلمين لله رب العالمين ، فإذا ما أنهى إمام المسلمين ، قام عيسى وقام خلفه المسلمون ، فإذا فتح عيسى باب بيت المقدس ، رأى المسيح الدجال معه سبعون ألف يهودى معهم السلاح ، فإذا نظر الدجال إلى نبى اللـه عيسى ذاب كما يذوب الملح فى الماء ، ثم يهرب فينطلق عيسى وراءه فيمسك به عند باب لد فى فلسطين ، فيقتله نبى اللـه عيسى ويستريح الخلق من شر الدجال )) .
ويبقى هنا سؤال ألا وهو :
ما السبيل إلى النجاة ؟
والإجابة على هذا السؤال تكون بعد جلسة الاستراحة
وأقول قولى هذا واستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد أحبتى فى اللـه :
فما السبيل إلى النجاة ؟

أحبتى الكرام : أجيب لكم عن هذا السؤال من كلام سيد الرجال محمد ابن عبد اللـه  حتى تطمئن قلوبكم وتستريح ، ثبتكم اللـه .
ففى الحديث الذى رواه ابن ماجة فى سننه والحاكم فى مستدركه وصححه الألبانى .
قال صلى اللـه عليه وسلم : (( من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال )) ( ) .
وفى لفظ (( من حفظ عشر آيات من أوائل سورة الكهف عصم من فتنة الدجال )) .
وفى لفظ (( من حفظ عشر آيات من أواخر سورة الكهف عصم من فتنة الدجال )) .
لقد تبينتم الآن أمر الدجال ، فالأمر جد خطير ، هل نقف على مثل هذه الخطورة ونحفظ عشر آيات فقط من سورة الكهف ، أراكم تقولون لا بل حفظ السورة بالكامل أمر يسير أمام هذه الخطورة الشديدة ، أرى منكم أناساً يقولون نذهب إلى مكة أو المدينة ، سأقول لكم لا بأس ، من يستطيع الفرار منكم إلى مَكة المباركة أو طيبة طيبها اللـه ، فله ذلك ، فهما محرمتان على الدجال أن يدخل واحدة منهما وذلك من سبل النجاة .
لكننى لا أجد لك سبيلا للنجاة أكبر وأشرف وأجل وأعظم من أن ُتوحد اللـه جل وعلا وتعرف معنى كلمة.. " لا إله إلا اللـه " .. فهذا هو أصل الأصول وبر الأمان لكل مؤمن يريد الأمان حقا فى الدنيا والآخرة.
ألم يقل لك المصطفى بأنه لا يقرأ كلمة كافر بين عينى الدجال إلا مؤمن " موحد " للكبير المتعال ، واعلم يقينا بأن الإيمان ليس كلمة يرددها لسانك فحسب .. بل الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان " يعنى القلب "... وعمل بالجوارح والأركان ... ولابد أن تعلم أن أركان الإيمان ... أن تؤمن باللـه وملائكته ، وكتبه ، ورسوله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره فلا بد لك من الآن أن تصحح إيمانك باللـه جل وعلا وتحقق الإيمان يقينا.
وقد قال الحسن : ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى ، ولكن الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل ، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه .
قال اللـه تعالى :
 إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللـه ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ 
[ فصلت : 30 ، 33 ]
.
قال اللـه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا(107)خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا(108)قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109)قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا 
[ الكهف : 107 ،110 ] .
.......... الدعــاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   6/11/2008, 4:27 am



أخى الكريـــم / قلـــــب ينـــزف دمـــــــوع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   7/11/2008, 12:49 am

علامات الساعة الكبرى
نزول عيسى بن مريم عليه السلام


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .
من يهده اللـه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله …
يَاأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  . [ آل عمران - 102 ] .
 يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  . [ النساء -1 ] .
 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِـرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .
أما بعــد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللـه ، وخير الهدى هدى محمد  ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار .
أحبتى فى اللـه :
فى رحاب الدار الآخرة
هذا هو لقاءنا الخامس مع السلسة الكريمة ولا زلنا مع حديث حذيفة بن أسيد الغفارى :
اطلع علينا النبى  ونحن نتذاكر فقال النبى  : (( ما تذاكرون ؟ )) فقالوا : نذكر الساعة فقال: (( إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر ، الدخان ، والدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى بن مريم ، ويأجوج ومأجوج ، وثلاثة خسوف ، خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم )) ( ) .
وها نحن الآن على موعد مع إحدى هذه العلامات الكبرى ألا وهى نزول عيسى عليه السلام .
أيها الحبيب الكريم : أعرنى قلبك وسمعك وعقلك فإن الموضوع من الأهمية بمكان .وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعا من بين أيدينا فسوف أركز الموضوع فى العناصر التالية :
أولاً : عيسى بن مريم والميلاد المعجز .
ثانياً : بل رفعه اللـه إليه .
ثالثاً : نزول عيسى من السماء إلى الأرض .
أسأل اللـه تعالى أن يجعلنى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه

أولاً : عيسى بن مريم والميلاد المعجز

أخى فى اللـه لن أجد لك بداية أرحب ولا أجمل أبدأ بها حديثى معك الآن أجل من هذه الكلمات الجميلة فى قوله تعالى :
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35)فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36)فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  [ آل عمران : 35 -37 ]
وقبل أن نتجول سويا فى بستان هذه الكلمات الرقيقة الرقراقة أقول لك إنه لأول مرة فى تاريخ البشرية الطويل منذ أن خلق اللـه آدم من تراب ينسب نبياً لأُمِه .
مريم هى الأنثى الوحيدة فى الوجود كله التى اختصها اللـه من بين النساء قاطبةً ليودعها سره الأكبر فى أصفى حمل وأعجز ميلاد ، فمريم هى الفتاة العذراء النقية التقية التى اصطفاها اللـه جل فى علاه من بين نساء العالمين فنفخ فيها من روحه ومنحها هذه المكانة الرقيقة الرقراقة من بين أمهات الدنيا جمعاء .
فأمها حنة بنت فاقود وصلت إلى سن اليأس ، فتمنت على اللـه أن يرزقها الولد ، واللـه على كل شىء قدير فاستجاب اللـه دعاءها وابتهالها إليه، فتحرك الحمل فى أحشائها بقدرة من لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السموات بقدرة من يقول للشىء كن فيكون . فلما تحرك الحمل فى أحشائها أحبت أن تشكر اللـه على هذه النعمة فقالت :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم  .
نَذَرَتْ ما فى بطنها لله جل وعلا " أى لخدمة بيت المقدس " ، جزاء على ما رزقها هذه النعمة . بعد ما وصلت لهذه السن .. وبعد مرور أشهر الحمل وضعت بنتا جميلة رقيقة طيبة ، فنظرت إليها بحزن وقالت رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  .فقالت حنة : رباه إنى وضعتها أنثى وأنت أعلم منى بما وضعت أى أنت الذى رزقتنى وقدرت لى ذلك ، فليس الذكر كالأنثى فى القوة والجلد وخدمة الأقصى وإنى يا رب أعيذها بك من شر الشيطان وذريتها - وهو ولدها عيسى بن مريم فاستجاب اللـه لها .
قال رسول اللـه  : (( ما من مولود يولد ، إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان ، إلا ابن مريم وأمه )) ( ) .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  أى إنه تقبل نذر أمها حنة وجعل شكلها مليحاً وأعطى لها منظراً بهيجاً ويسر لها أسباب القبـول وقرنهـا بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين فلهذا قال : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا  وما ذلك إلا لأنها كانت يتيمة ويقال أنها كانت سَنَةَ جَدْبٍ فكفلها زوج خالتها لكى تكون تحت رعاية خالتها وحنانها ولا منافاة بين القولين ، وقيل أنه زوج أختها وقد ذكر القرآن لنا أيضا وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ آل عمران : 44 ] .
أى ما كنت معهم يا محمد لتخبرهم عن معاينة ما جرى ، بل أطلعك اللـه عليه كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم لما اقترعوا فى شأن مريم أيهم يكفل هذه الطاهرة التقية الورعة ليكن له الأجر ، فحين خرجت بها حنة إلى بنى الكاهن بن هارون أخى موسى عليهما السلام . وقالت هى نذيرة ، ولا يدخل المسجد حائض ، ولكنى نذرتها ، وأنا لا أردها إلى بيتى .
فقال زكريا : ادفعوها لى فخالتها تحتى ، فقالوا بذلك تطيب أنفسنا لأنها ابنة أمامنا وقالوا نقترع وبالفعل اقترعوا ،فما هى القرعة ؟!
أن يرموا الأقلام التى كانوا يكتبون بها التوراة فى نهر الأردن وقالوا أى قلم يثبت ولا يجرى مع التيار بل يعاكسه هو كافلها وبالفعل حدث ووقع ذلك على قلم واحد ،... ترى من صاحب هذا القلم ؟!
إنه زكريا عليه السلام ... وذلك لحكمة يعلمها اللـه ... ويعلمها لنا ألا وهى لتتعلم مريم وتقتبس من النبى الذكى زكريا عليه السلام العلم والفقه وكان إمامهم وكبيرهم وسيدهم وعالمهم ونبيهم حين ذاك.
قال تعالى :  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا
تعجب زكريا من هذا الطهر والزهد والعفاف والتوحيد الذى وصلت به مريم البتول إلى مكانة عالية عند اللـه عز وجل فكلما دخل عليها وجد عندها رزقا .
ثم قال لها زكريا عليه السلام :  يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا  أى من أين لك هذا الرزق ؟!
قالت البتول الطاهرة :  هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  أى ذلك لا دخل للمخلوق فيه بل هو من الخالق ، وهو يرزق من يريد بغير حدود تحده .
وهكذا أيها الأحبة الكرام
اصطفى اللـه مريم فى بستان الورع بين أزهار التقى والنقاء والعفاف والصلاح ، هذه هى الزهرة والنبتة الطيبة ، نشأت مريم فى هذا المكان وهذا الجو الإيمانى الطاهر العفيف فاصطفاها اللـه وبشرها بهذه البشارة التى انفردت بها دون نساء العالمين ويالها من بشارة يالها من خصوصية اختص اللـه بها الطاهرة ..
إيه يا مريم .... إيه بماذا اختصك ربك ؟!
يقول الملك :  وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ  [ آل عمران : 42 - 43 ] .يا لها من مكانة آثرك بها اللـه دون نساء الدنيا يا مريم !
فلم تتوان مريم عن عبادة الرب فظلت البتول ساجدة وراكعة حتى أراد اللـه عز وجل أن يمنحها تلك المكانة الرفيعة من بين أمهات الدنيا .
قال تعالى :  وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(16)فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17)قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا(18)قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا(19)قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا(20)قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا  [مريم:16-21] .
وفى يوم من الأيام خلت مريم لنفسها لقضاء شأن من شئون العذراء الخاصة ... وفجأه انحبس صوتها وشخص بصرها ،إنها مفاجأة مذهلة تأخذ بالعقول بل وتصدع الأفئدة ، بشر سوى فى خلوة العذراء البتول الطاهرة . وسرعان ما استغاثت برب الأرض والسموات ولجأت إليه بشدة وقالت: أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا  .
انظر إلى الفطنة والذكاء والورع ! لم تقل أعوذ بالجبار منك ولم تقل أعوذ بالغفار منك وإنما استجاشت الرحمة فى قلبه بذكر الرحمن فقالت أعوذ بالرحمن منك ، أى ارحم ضعفى . ارحم أنوثتى . ارحم خلوتى !!
ولكن قدر اللـه لها مفاجأة أعظم . أن أنطق هذا البشر السوى فى خلوة البتول الطاهرة ليقول لها : لا تخافى ولا تحزنى فأنا رسول ربك إليك لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا قالت :  أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا  لم أكنْ أبداً صاحبة فاحشة ، فهى لم تتصور مطلقا وسيلة للإنجاب غير وسيلة التقاء الرجل بالمرأة وهى لم تتزوج بعد ، ولم تفكر أيضا ألبته فى الرذيلة ، وهنا يأتى الرد القاطع الحاسم فيقول الملك والرسول الكريم  قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا  .
فهنا يقول المولى  وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلْعَالَمِينَ  [ الأنبياء : 91 ] .
فهنا حدث أمر غير مألوف ما اعتادت عليه الخليقة  فَنَفَخنَا فِيهَا مّن رُوحِنَا  لتنجب عيسى عليه السلام ، أى نفخ الملك جبريل فى أعلى القميص بأمر من اللـه عز وجل وهذا ليبين للخلق طلاقة قدرة الخالق ، إنها قدرة لا تحدها حدود ، إن من يحاول أن يصل بعقله القاصر إلى حدود قدرة اللـه كمن يحاول أن يكلف نملة أن تنقل جبلاً من مكان إلى آخر وما هى بناقلته  إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس:82 ].
فلا تفكر بعقلك القاصر البتة لتصل إلى منتهى قدرة الملك .
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  [ آل عمران : 59 ] .
فاللـه لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السموات ، فمن الذى خلق السماء بغير عمد ترونها ؟! .
من الذى خلق الأرض وشق فيها الأنهار والبحار وزينها بالأشجار ؟‍
من الذى خلق سنبلةَ القمح وغلفها بهذه الأغلفة الحصينة المكينة ؟
وجعل فوق كل حبة شوكة ؟؟ ولما جعلها هكذا ؟!
لأن اللـه قدر أن تكون هذه الحبة قوتاً لك أيها الإنسان دون الطيور أو غير ذلك !!
من الذى خلق كوز الذرة ورصَّ على قولحته هذه الحبات اللؤلؤية البيضاء بهذا الجمال والإبداع ؟!!
ومن الذى خلق الإنسان بهذا والجمال والإبداع ؟!
هو اللـه .... !!! ... هو اللـه ... !!! ... هو اللـه ... !!!
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(22)هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ الحشر : 22-23 ] .
قل للطبيب تخطفتـه يــد الردى ياشافـى الأمـراض مـن أرداك ؟
قل للمريض نجى وعوفى بعد مـا عجــزت فنون الطب من عافاك؟
قل للصحيح مات لا من علـــة من يـا صحيـح بالمنايـا دهاك ؟
بل سل الأعمى خطاً وسط الزحـام بـلا صدام من ياأعمى يقود خطاك؟
بل سل البصير كان يحذر حفــرةً فهوى بهـا مـن ذا الذى أهواك ؟
وسل الجنين يعيـش معزولاً بـلا راع ولا مـرعى من ذا الذى يرعاك ؟
وســل الوليد أجهش بالبكاء لدى الولادة من الـــــذى أبكاك ؟
وإذا ترى الثعبـان ينفـــث سمه فسله من يا ثعبان بالسموم حشاك ؟
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا الســم يملأ فـــــاك ؟
واسأل بطـون النحل كيف تقاطرت شهداً وقـــل للشهد من حلاك ؟

إنه اللـه .. إنه اللـه .
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا  .
انتهى الأمر وقدره اللـه عز وجل .
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ  .
هو الذى خلق الخلق .. خلق آدم يوم خلقه بلا أب أو أم !! وكذلك خلق عيسى من أم بلا أب !! ليكون للناس دليلا على طلاقة قدرة الخالق .
قال تعالى :  وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ
[ التحريم : 12] .
ولقد ظهر الحمل .. والراجح من أقوال المفسرين أن الحمل بعيسى كان حملا عاديا تسعة أشهر وأنه لا ريب أن اللـه جلا وعلا كان قادراً ولا زال سبحانه على أن تحمل مريم بعيسى وتضعه فى لحظة واحدة ، ولكن أراد اللـه بها أن يختبر مدى صبرها ومدى تحملها على هذا الابتلاء العظيم التى لا تستطيع أن تقدر عليه إلا مريم ابنة عمران العذراء البتول ، فهذا من تمام الابتلاء .
وبدأت بوادر الحمل تظهر على الطاهرة المطهرة ، وهنا نظر يوسف النجار - ذلك الرجل الذى كان يخدم بيت المقدس - إلى بطن الطاهرة تعلو يوما بعد يوم ويتعجب ولكن كثيراً ما كان يدفع أى خالجة تمر بذهنه لعلمه بطهر البتول ، ولكن ها هى جبلية البشرية قد غلبته ، وما استطاع أن يكتم هذه الحوالج عن لبه فقال لها : يا مريم إنى سائلك عن شىء ولكن لا تعجلى على ، فقالت الطاهرة العذراء : سل ما شئت يا يوسف وقل قولاً جميلاً .
فقال لها يوسف : هل ينبت زرع بلا بذر ؟! وهل ينبت شجر بلا غيث أو مطر ؟! وهل يكون ولد بغير أب ؟!!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   7/11/2008, 12:54 am

فقالت مريم : نعم يا يوسف هو كذلك .
قال : وكيف يكون ذلك يا مريم ؟!!
قالت: ألم تعلم أن اللـه أنبت الزرع يوم أنبته من غير بذر !!
وأنبت الشجر يوم خلقه بغير غيث أو مطر ، وخلق آدم يوم خلقه بغير أب أو أم !!
قال يوسف : أعلم أن اللـه على كل شىء قدير! اللـه أكبر ..
قال اللـه تعالى :  فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(22)فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(23)فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(26)فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27)يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ýوَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَموتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّاُ  .
[ مريم : 22 - 33 ] .
هكذا قال عيسى الذى ما زال فى المهد لا حول له ولا قوة له إلا باللـه أنا عبد اللـه ، وأعطانى الإنجيل وجعلنى نبياً ، وأمرنى بالصلاة ، والزكاة ما دامت بى حياة ، ومحسناً إلى العذراء أمى ، ولم يجعلنى من الجبارين فى الأرض ولا من الأشقياء .
ويكمل لنا القرآن قصة عيسى عليه السلام ويقول:
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(35)وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ  .
[ مريم : 34 - 36 ] .
تعالى اللـه عما قاله النصارى فالكمال صفة من صفاته ! أيحق له أن يتخذ ولداً ؟ !
ولِمَ يتخذ ولد وهو الغنى عن خلقه ولن تغنى الخليقة عنه ؟!!
فاللـه هو الغنى عن الولد والصاحب والزوج .
فيا عبـاد المسيـح لنـــا سؤال نريد جــوابه ممن وعـــــاه
إذا مات الإلهُ بصنــــــــع قــوم أماتوه فهل هـــذا إله ؟!
ويــا عجــب لقبـر ضم ربـاً وأعجب منه بطن قـــد حــواه
أقام هناك تسعــاً مــن شـهور لدى الظلمات مـ، حيــض غزاه
وشق الفرج مولــداً صغيـــراً ضعيفــــاً فاتحاً للثـــدى فاه
ويأكل ثــم يشرب ثم يأتـــى بلازم ذاك فهـــل هــذا إله ؟!
تعالى اللـه عـن إفـك النصارى سيســألوا كلهم عمـــا افتراه
وصدق اللـه إذا يقول  قل هو اللـه أحد  يا من تشركون باللـه ... فاللـه لا ند له ..ولا كفء له .. ولا شبيه له .. ولا زوج له ... ولا ولد له ولا والد له  لَيسَ كَمثْلِه شَىءٌ وَهُو السَّمِيعُ البَصِير
[ الشورى : 11 ]
أحبتى فى اللـه : أرى أنه من الجمال أن أختم هذا العنصر بهذا الحوار المبارك الجميل الذى برىء به ربنا ساحة نبيه عيسى عليه السلام .
قال اللـه تعالى :
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  .
[ المائدة : 116 - 118 ] .

ثانياً : بل رفعه اللـه إليه

زعـم اليهـود عليهم لعائن اللـه المتتابعة أنهم قتلوا عيسى بن مريم وصلبوه ، وزعم النصارى بجهل وغباء أن عيسى صلب وقتل ودفن وخرج من قبره بعد ثلاثة أيام وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب أبيه ، وهو ينتظر إلى يوم الخلاص ليقضى بين الأحياء والأموات !!
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا
فبين اللـه الحق وكذب اليهود والنصارى فقال سبحانه  وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
[ النساء : 157 - 159] .
قال أهل التفسير : أن اللـه عز وجل لما أراد أن يرفع نبيه عيسى إلى السماء بعد ما انطلق اليهود لقتله ألقى اللـه شبه عيسى على يهوذا الأسخريوطى الخائن الذى أخذ اليهود ليدلهم على مكان عيسى فابتلاه اللـه فألقى عليه شبه عيسى فأخذه اليهود فقتلوه وصلبوه وهذا قول .
والقول الآخر : ثبت عن ابن عباس بسند صحيح كما روى ابن أبى حاتم والنسائى بسند صححه الحافظ ابن كثير فى تفسيره لسورة النساء .
قال ابن عباس رضى اللـه عنهما :
" لما أراد اللـه أن يرفع عيسى خرج إلى بيت فيه إثنى عشر رجلا من الحوارين فقال : نبى اللـه عيسى : إن منكم من سيكفر بى بعد أن آمن بى ، ثم قال لهم : أيكم يقبل أن يلقى عليه شبهى ليقتل مكانى ليكون معى فى درجتى فى الجنة فقام شاب أحدثهم سناً ( أصغر الجالسين ) فقال له : أنا ، فقال : اجلس ، فجلس ، ثم أعاد عيسى القول مرة ثانية فقام نفس الشاب فقال له : اجلس فجلس ، ثم أعاد عيسى قوله للمرة الثالثة فقام نفس الشاب فقال عيسى هو أنت فألقى اللـه على هذا الشاب شبه عيسى ورفع اللـه عيسى إلى السماء " .
وجاء الطلب من اليهود أى الذين يطلبون عيسى لقتله فأخذوا هذا الشاب فقتلوه فصلبوه فكفر بعض أتباع عيسى ممن آمنوا به كما ذكر لهم قبل قليل .
ثم ينزل اللـه عز وجل عيسى بعد ذلك لحكم عديدة خذوا منها :
أن اللـه تبارك وتعالى سينزل عيسى عليه السلام ليكذب اليهود الذين زعموا أنهم قتلوه ، وليكذب النصارى الذين جهلوا هذه الحقيقة ، وليبين للناس جميعا أن محمدا  وأن الموحدين معه من أمته أولى الناس بعيسى عليه السلام لأنه سيحكم العالم كله بكتاب اللـه وبشريعة محمد رسول اللـه  .
سينزل عيسى ليموت فى الأرض فما قولك إذاً فى قول اللـه تعالى : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  [ آل عمران : 55 ] .والجواب كما قال جمهور المفسرين :
أن الوفاة فى الآية معناها الوفاة الصغرى وهى النوم كما فى قوله تعالى :  وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [ الأنعام : 60].
وكما فى قوله:  اللَّـهُ يَتَوفَّىالأنْفسَ حِينَ مَوتِهَا  [ الزمر : 42 ] .
أى فى منامها كما فى قول المصطفى إذا استيقظ من منامه (( الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور )) ( ) .
إنى متوفيك أى ألقى اللـه عليه سِنَةً من النوم ، وهذه هى الوفاة الصغرى باتفاق ثم رفعه اللـه عز وجل ثم ينزله اللـه تبارك وتعالى فى الوقت الذى يشاء

ثالثاً : نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض من السماء

بين اللـه جل وعلا أنه رفع عيسى إليه إلى يوم الوقت المعلوم الذى سينزل فيه إلى الأرض مرة أخرى ليكون علامة كبرى من العلامات الدالة على قيام الساعة فقال فى قرآنه :  وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ(57)وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ(58)إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(59)وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرض يَخْلُفُونَ(60)وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ  .
[ الزخرف : 57-61 ] .
انتبه جيدا ففى قراءة ابن عباس ومجاهد وإنه لعلم للساعة أى نزول عيسى أمارة وعلامة على قيام الساعة .
بل وروى ابن جرير بسند صحيح أن ابن عباس رضى اللـه عنهما قال:  وَإِنَّهُ لَعلمُ لِلسَاعَةِ  أى خروج عيسى عليه السلام ، فإن نزل فهذه علامة كبرى تدل على قرب قيام الساعة ، وقال اللـه تعالى فى الآية التى ذكرت آنفا  وَإِنَّ مِّن أَهلِ الكِتَابِ إِلا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِهِ  أى قبل موت عيسى عليه السلام .
وقد بينت السنة الصحيحة المتواترة نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض من السماء .
ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى اللـه عليه وسلم قال : (( والـذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكمـاً مقسـطاً فيكسـر الصليـب ويقتل الـخنزيـر ويضع الـجزيـة ويفيـض المال حتى لا يقبله أحد )) ( ) .
وانظر ماذا قال الحبيب فى الحديث الذى رواه أبو داود فى سننه بسند صحيح من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه قال رسول اللـه عليه وسلم : (( ليس نبى بينى وبين عيسى بن مريم وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، إنه رجل مربوع ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالسمين ولا بالنحيف مائل إلى الحمرة والبياض كأن رأسه يقطر ماء من غير بلل )) ( ) .
وفى رواية النواس بن سمعان فى صحيح مسلم فى كتاب الفتن وأشراط الساعة أنه صلى اللـه عليه وسلم قال : (( ينزل عيسى عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين )) فى الرواية الأولى التى ذكرت آنفا بين ممصرتين - أى ثوبين مصبوغين بصفرة خفيفة يسيرة (( واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفع رأسه تنحدر منه جمان كحبات اللؤلؤ ، يتوجه نبى اللـه عيسى من دمشق إلى بيت المقدس وقد أقيمت الصلاة فإذا رأى الإمام الفطن الذكى اللبق نبى اللـه عيسى عرفه وتقهقر للخلف ليتقدم نبى اللـه عيسى فيقول له نبى اللـه : لك أقيمت فإن بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللـه لهذه الأمة فيصلى نبى اللـه عيسى خلف إمام المسلمين فإذا انتهوا من الصلاة انطلق نبى اللـه عيسى إلى باب بيت المقدس وأمرهم أن يفتحوا الباب فإذا فتحوا الباب رأوا الدجال خلف الباب ومعه سبعون ألف من اليهود بالسيوف فإذا نظر الدجال إلى نبى اللـه عيسى ذاب كما يذوب الملح فى الماء فيريد الدجال أن يهرب فيتبعه نبى اللـه عيسى ويدركه عند باب لد مدينة معروفة الآن بفلسطين فيقتله ، ويريح الناس من شره )) .
قال المصطفى  قولاً عجيباً كما فى مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان وصحح السند الحافظ ابن حجر من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه وفيه أن رسول اللـه قال : (( فيهلك فى زمان عيسى الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك اللـه المسيح الدجال ، وتنزل الأمنة فى الأرض حتى ترعى الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم )) ( ) .
استحلفك باللـه أن تنظر لبداية الحديث يقول الرسول تهلك كل الملل إلا الإسلام ....
سبحان اللـه ..!! واللـه أكبر !!
أبشر أيها الموحد .. أبشر يا من تحب " لا إله إلا اللـه " .
نعم واللـه ستهلـك كـل الأديـان إلا الإسـلام  إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الإسْلام  [ آل عمران : 19 ] .
وانظر مرة أخرى ومحص النظر .
ترعى الأسود مع الإبل ...!! والنمار مع البقر .
والذئاب مع الغنم ...!!
وفى رواية أبى أمامة وسندها صحيح قال المصطفى  : (( فيكون الذئب مع الغنم كأنه كلبها ويمر الوليد على الأسد فلا يضره وتمر الوليدة على الحية فلا تضرها ، رفع الظلم واستقر الأمن والأمان والرخاء وزادت البركة حتى تنزل الأمنة فى الأرض )) .
بل فى رواية النواس بن سمعان قال  : (( فيقال للأرض أنبتى ثمرتك وردى بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك فى الرسل " اللبن " حتى أن اللقحة ( الوليدة التى وضعت ولدها) من الإبل لتكفى الفئام من الناس " الجماعة " واللقحة من البقر لتكفى القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفى الفَخِذَ من الناس .... )) ( ) سبحان اللـه..!!
وهكذا تعيش الأرض حالة لا نسيج لها فى التاريخ كله ، حتى قال المصطفى فى الحديث الذى رواه الديلمى والضياء المقدسى وصححه فى الصحيحة الألبانى من حديث أبى هريرة أن الحبيب النبى  قال : (( طوبى لعيش بعد المسيح ، طوبى لعيش بعد المسيح ، يؤذن للسماء فى القطر ويؤذن للأرض فى النبات حتى إذا بذرت حبك على الصفا لنبت ولا تشاحن ولا تحاسد ، ولا تباغض ، حتى يمر الرجل على الأسد ولا يضره ويطأ على الحية فلا تضره ، ولا تشاح ولا تحاسد ولا تباغض )) ( )

.......... الدعــاء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   7/11/2008, 11:45 pm

بسم اللـه الرحمن الرحيم





الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبَلَّغَ الرسالة ونصح للأمة فكشف اللـه به الغُّمة ، وجاهد فى اللـه حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فاللـهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته وصلى اللـهم وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعـد ….
فحياكم اللـه جميعا أيها الآباء الفضلاء وأيها الأخوة الأحباب الكرام الأعزاء ، وطبتم وطاب ممشاكم ، وتبوأتم جميعا من الجنة منزلاً ، وأسأل اللـه العظيم جل وعلا الذى جمعنا وإياكم فى هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك والقادر عليه .
أحبتى فى اللـه :
فى رحاب الدار الآخرة
سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق وبين التأصيل العلمى والأسلوب الوعظى الهدف منها :
تذكيـر النـاس بحقيقـة الدنيـا للإنابـة والتوبة إلى اللـه جل وعلا قبل أن تأتيهـم الساعة بغتة وهم يخصمـون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون .
وهذا هو لقاءنا السادس من لقاءات هذه السلسلة ، وحديثنا اليوم إن شاء اللـه تعالى عن علامة من علامات الساعة الكبرى التى ذكرها المصطفى  فى حديثه الصحيح الذى رواه مسلم من حديث حذيفة بن أُسَيد الغفارى قال : اطلع علينا النبى صلى اللـه عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال المصطفى  Sad( ما تذاكرون )) ؟ فقالوا : نذكر الساعة ، قال المصطفى : (( إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر : الدخان ، والدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى بن مريم ، ويأجوج ومأجوج ، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم )) ( ).
تكلمنا عن الدجال ونزول عيسى عليه السلام وحديثنا اليوم إن شاء اللـه تعالى عن يأجوج ومأجوج .
وكعادتنـا حتـى لا ينسـحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعا ، فسوف أركز الحديث مع حضراتكم اليوم عن يأجوج ومأجوج فى العناصر التاليـة :
أولاً : تأصيل لغوى شرعى مختصر
ثانياً : بعث النار
ثالثاً : ذو القرنين ويأجوج ومأجوج
رابعاً : خروجهم بين يدى الساعة
خامساً : عيسى بن مريم والدعاء المستجاب
فأعرنى قلبك وسمعك أيها الحبيب ، واللـه أسأل أن يجعلنى وإياكم جميعا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللـه وأولئك هم أولوا الألباب .

أولاً : تأصيل لغوى وشرعى مختصر

أيها الأحبة : لقد أورد كثير من المؤرخين والمفسرين أخباراً عجيبة وروايات غريبة عن يأجوج ومأجوج ، ذكروا فى هذه الروايات والأخبار أصلهم ، ونسبهم ، وأشكالهم ، وألوانهم ، ومكانهم !!
وهذه الأخبار والروايات لا تعدو أن تكون مجرد خرافات وأوهام وخيالات وأساطير ، لأنها أُخِذَت من الإسرائيليات .
أُخِذَت من غير المصادر اليقينية أى القرآن والسنة النبوية الصحيحة ، فلا يجوز لأحدٍ بحال أن يتكلم فى مثل هذه الأمور الغيبية إلا بالدليل الصريح من القرآن أو بالدليل الصحيح من سنة النبى عليه الصلاة والسلام .
فلسنا فى حاجة على الإطلاق لأن نلهث وراء الإسرائيليات والأخبار العجيبة والموضوعة لنتكلم عن يأجوج ومأجوج أو عن ذى القرنين ،وإنما يجب علينا جميعا أن نقف عند النص اليقينى فى كتاب ربنا وفى سنة الحبيب نبينا ففيه الغنى .
يأجوج ومأجوج أُمَّتَانِِ من البشر من ذرية آدم عليه السلام يتميزان عن بقية البشر بالإجتياح المروع والكثرة الكاثرة فى العدد والتخريب والإفساد فى الأرض بصورة لم يسبق لها مثيل .
وقال المحققون من أهل اللغة نقلا عن ابن منظور فى لسان العرب وغيره قالوا :
يأجوج ومأجوج إسمان أعجميان مشتقان من أجيج النار أى من التهابها ومن الماء الأجاج وهو الشديد الملوحة والحرارة .
فشبَّهوهم بالنار المضطرمة المتأججة وبالمياه الحارة المحرقة المتموجة لكثرة تقلبهم ، واضطرابهم ، وتخريبهم ، وإفسادهم فى الأرض .
هذا هو التأصيل اللغوى الذى لابد منه بداية حتى لا نطلق لخيالنا العنان لنلهث وراء الخرافات والأساطير والأوهام .
لذا أخبرنا المصطفى أن يأجوج ومأجوج هم بعث النار يوم القيامة وهذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء :

ثانياً : بعث النار

ففى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللـه عنه أن النبى  قال : (( يقول اللـه يوم القيامة يا آدم فيقول آدم لبيك وسعديك والخير فى يديك فيقول اللـه جل وعلا : أَخْرِج بعث النار فيقول آدم عليه السلام : وما بعث النار يا رب ، فيقول الملك : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى جهنم ، وواحد إلى الجنة )) فشق ذلك على أصحاب النبى المختار ، وفى رواية فيأس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة ، وفى رواية فبكى أصحاب الرسول وقالوا : يا رسول اللـه وأينا ذلك الواحد فقال المصطفى Sad( أبشروا ! أبشروا ! فمن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد )) ثم قال المصطفى  :
(( والذى نفسى بيده إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة )) فكبرنا .
قال : (( والذى نفسى بيده إنى لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة )) فكبرنا .
فقال المصطفى  فى الثالثة : (( واللـه لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة )) .
أمة النبى أمة مرحومة .. أمة النبى أمة ميمونة .
ومما زادنى فخــرا وتيهــا و كدت بأخمصى أطأ الثُّريــا
دخولـى تحت قولك يا عبادى وأن أرسلت أحمد لـى نبيــا

اسجد له شكراً أنك من أمة الحبيب محمد  ، فأمة المصطفى أمة مرحومة أثنى عليها ربها وأثنى عليها نبيها .
قال اللـه لها :  كُنتُم خَيرَ أُمَّةِ أُخرِجتْ لِلنَّاسِ  .
قال اللـه لها : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  [ البقرة : 143]
.
وفـى الحديـث الذى رواه الترمذى وأحـمـد وابـن ماجـة بسند حسن قال المصطفى  : (( أنتم موفون سبعون أمة أنتم خيرها وأكرمها على اللـه جل وعلا )) ( ) .
أنتم خير الأمم .. أنتم أكرم الأمم على اللـه جل وعلا .
بل وفى صحيح البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى أن الحبيب النبى  قال : (( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له يا نوح هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم يا رب . فيدعى قومه ويقال لهم : هل بلغكم نوح ؟ فيقول قوم نوح : لا ما أتانا من نذير ، وما أتانا من أحد ، فيقول الحق جل وعلا: وهو أعلم ، من يشهد لك يا نوح ؟ فيقول نوح : يشهد لى محمد وأمته ، يقول المصطفى : فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أدعى فأشهد عليكم )) ( )
وذلك قول اللـه جل وعلا :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  .
بل ومن الأحاديث الممتعة التى تبين فضل السابقين واللاحقين من أمة سيد النبيين ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة " أن النبى أتى المقبرة يوما فقال : (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون وإنا إن شاء اللـه بكم لاحقون )) ثم قال الحبيب  : (( وددت أنَّا قد رأينا إخواننا )) فقال الصحابة أو لسنا إخوانك يا رسول اللـه ؟ قال  Sad( أنتم أصحابى ، وإخواننا قوم لم يأتوا بعد )) فقال الصحابة : فكيف تعرف من لم يأتى بعد من أمتك يا رسول اللـه ؟ فقال المصطفى : (( أرأيت لو أن رجلا له خيلُُ غُرُّ مُحَجَّلَة بين ظَهْرَى خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ (أى سود) ألا يعرف خيله )) ؟ قالوا : بلى يا رسول اللـه ، فقال المصطفى  : (( فأنهم يأتون غُراً محجلين من الوضوء )) ( ) .
أحبتى فى اللـه :
أقف الآن وحضراتكم مع هذا الحوار الجميل بين ذى القرنين وقوم تعرضوا للفساد والإيذاء على أيدى يأجوج ومأجوج وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز .


ثالثاً : ذو القرنين ويأجوج ومأجوج

لقد حكى اللـه قصة ذى القرنين فى سورة واحدة من سور القرآن ألا وهى سورة الكهف قال اللـه تعالى :  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا(83)إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85)حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا(86)قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا(87) وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا(88)ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(89)حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا(90)كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا(91)ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(92)حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا(93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(94)قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(95)ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا(96)فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا 
[ الكهف : 83 - 98 ]
هذه هى قصة ذى القرنين مع يأجوج ومأجوج وأقول لك أن قصة ذى القرنين هى الأخرى قد نُسِجَ حولها من الأساطير والخرافات والخيالات والأوهام ما يندى له جبين التحقيق خجلاً وحياءً .
لا يجوز لأحد يحترم علمه وعقله أن يتجاوز النص القرآنى فى قصة ذى القرنين فما ذكره اللـه فى القرآن عن ذى القرنين فيه الغنى وفيه الكفاية ، ولسنا فى حاجة لأن نلهث وراء الإسرائيليات لننسج حول شخصية ذى القرنين الأساطير والخرافات والأوهام .
والآن أدعوك لنتجول سوياً لنتعرف على قصة ذى القرنين مع يأجوج ومأجوج بالنص القرآنى والتفسير اليسير .
ذو القرنين عبد صالح اختلف أهل التفسير فى نبوته لكن لا يستطيع أحد أن يجزم بذلك .
والقصة تبدأ بسؤال المشركين للنبى المصطفى  ويأتى الجواب من اللـه جل وعلا . قل يا محمد . وكلمة " قل " يسميها علماء التفسير وعلماء اللغة قل التلقينيه أى القصة ليست من عند رسول اللـه بل هى وحى من عند اللـه جل وعلا .
 قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا  :
كلمة " منه " التبعيضية : أى سأتلوا عليكم بعض الشىء من قصة ذى القرنين ولو علم اللـه فى الزيادة عن النص القرآنى خيراً لذكرها لنا فلنقف عند ما ورد فى القرآن وما ثبت فى حديث النبى عليه الصلاة والسلام
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض  :
تدبر ... فمن الذى مَكَّنَ لذى القرنين ؟
فالتمكين إن نقبت عنه فى القرآن سترى أنه فى كل مرة وردت لفظة التمكين تنسب إلى اللـه رب العالمين ، وهذه القاعدة البلاغية تؤصل فى القلوب قاعدة إيمانية .
فالذى يُمَكِّن للدول والأمم والشعوب هو اللـه ، فيجب علينا جميعا أن نعلق قلوبنا بالملك الذى يفعل كل شىء ، مع الأخذ بالأسباب فهذا من حقيقة التوكل على اللـه .
لا تسود أمة إلا بإذن اللـه ولا تزول أمة إلا بإذن اللـه .
قال تعالى  قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [ آل عمران : 26 ] .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   7/11/2008, 11:58 pm

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرض وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا
أخذ بهذه الأسباب والوسائل للتمكين والنصر والفتح والظهور .
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ  [ الحج : 41] .
فهناك من الأمم من يمكن اللـه لها فتأخذ بأسباب التمكين فيزيدها اللـه ثباتا وتمكينا فإن فرطت أذهب اللـه عنها التمكين .وهناك من الناس من إذا مكن اللـه له أخذ بوسائل التمكين فزاده اللـه رفعة ونصرا فإن فرط فى هذه الأسباب والوسائل أمر اللـه عز وجل بزاوله وهلاكه .
 وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا 
أعطاه من الأسباب ما يستطيع أن يفتح وأن ينتصر وأن يجوب البلاد شرقا وغربا .
يبدأ ذو القرنين الرحلة الجهادية الأولى فى سبيل اللـه نحو المغرب .
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا
ومن المعلوم أنه ليس للشمس مشرقاً واحداً ولا مغرباً واحداً بل لها عدة مشارق ومغارب .
قال اللـه تعالى :  فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ
[ المعارج : 40 ] .
فالشمس لها مشارق ومغارب بحسب فصول السنة وأيامها وشهورها ، لها مشارق ومغارب بحسب المكان ، لها مشارق ومغارب بحسب رؤية الرائى إلى قرص الشمس أثناء الشروق أو الغروب .
قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا
فبين ذو القرنين منهجه العادل ودستوره الحكيم ، فقال كما ذكر فى كتاب ربنا :  قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا(87) وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا  .وأما من ظلم نفسه بالشرك وعدم اتباعى فسوف أعذبه وله عند اللـه العذاب العظيم ، أما من اتبعنى وآمن بما جئت به ووحد اللـه واستقام على منهج اللـه فله الحسنى وهى الجنة ، أما من ناحيتى فسنقول له يسرا .
ثم انطلق نحو المشرق فى رحلة ثانية :
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا  لا يحمى هؤلاء الناس والقوم شىء على الإطلاق ، لا يحول بينهم وبين الشمس شىء .
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا  :
أى علم اللـه عز وجل كل ما يدور فى قلبه وفى نفسه .
وتبدأ الرحلة الثالثة التى هى محل الشاهد فى موضوعنا :
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ  والسدين : الجبلين العظيمين .
وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا  .
لا يعرفون لغة ذى القرنين أو لا يستطيعون أن ينفتحوا على غيرهم من الأمم ، فهم قوم منعزلون على أنفسهم ، تعرضوا إلى أشد الهجمات وأعنف الضربات على يدى يأجوج ومأجوج ، فلما رأوا ذى القرنين الملك الفاتح العادل توسلوا إليه وانطلقوا وقوفا بين يديه وقالوا :
يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا  .
هؤلاء القوم يقولون لذى القرنين هل نبذل لك من أموالنا ما تشاء وما تريد على أن تبنى لنا سدا منيعا يحمينا من يأجوج ومأجوج .
فرد عليهم بزهد وورع وقال :  قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ  .
لقد أعطانى اللـه عز وجل من وسائل التمكين ما أغنانى به عن مالكم ولكنه لمح فيهم الكسل ، فأراد أن يشركهم فى هذا المشروع العظيم وفى هذا العمل الضخم ، فقال لهم ولكن !
فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا  أى قال بلغة العصر : التخطيط الهندسى والمعمارى والإنفاق المادى لبناء هذا السد ولإقامة هذا المشروع ، سنتكفل نحن بذلك ، ولكننا فى حاجة إلى العمال ، فى حاجة إلى عمالة يحملون ويبنون ويقيمون هذا العمل ،  فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا  .
وبدأ ذو القرنين المهندس البارع الذى سبق علماء الهندسة المعاصرين بعدة قرون .
أمر بالبدأ فى المرحلة الأولى من مراحل هذا المشروع .
 ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ  :
أى اجمعوا لى قطع الحديد الضخمة وأمرهم بوضع هذه القطع فى مكان ضيق بين هذين السدين ، فلما وضعت قطع الحديد حتى ساوت قمة الجبلين قال : انفخوا النار المشتعلة التى تصهر هذا الحديد ، ولك أن تتصور حجم هذه النيران التى اشتعلت لتصهر أطناناً من الحديد لا يعلم وزنها إلا العزيز الحميد ، اشتعلت النيران تحت هذا الحديد بين السدين فى مكان ضيق ، يريد أن يسد على يأجوج ومأجوج الطريق الذى ينفذون منه إلى هذه الأمم المسكينة المغلوبة على أمرها .
فأشعل النيران حتى انصهر الحديد وذاب بين السدين أى بين الجبلين ، فأمر ذو القرنين أن يدخلوا فى المرحلة الثانية من مراحل البناء ، ألا وهى أن يذيبوا النحاس حتى ينصهر .
فلما انصهر النحاس أمرهم بصب النحاس على الحديد فتخلل النحاس الحديد فأصبح النحاس والحديد معدناً واحداً ليزداد صلابة وقوة فلا تستطع يدى يأجوج ومأجوج أن تتسلقه أو أن تنقبه .
وبذلك يكون ذو القرنين قد سبق العلم المعاصر فى تقوية الحديد بالنحاس فلما ساوى بين الصَّدَفين بهذا الحديد وبهذا النحاس ليبين لنا سمات القيادة الفذة الناجحة التى تستطيع أن تجمع بين الخيوط والخطوط .
التى تستطيع أن تجمع بين المواهب والطاقات والقدرات والإمكانيات لتستغل الموارد والطاقات أعظم استغلال .
ذو القرنين يبين لنا سمات القيادة الناجحة ، وما أحوج الأمة إلى هذه القيادة الفذة ، فلما نظر إلى هذا السد العظيم لم يسكره نشوة القوة والعلم ، لم يقل فن الإدارة !!
لم يقل : إنما أوتيته على علم عندى !! وإنما نسب الفضل لصاحب الفضل جل وعلا فقال :  قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا 
درس عظيم .. هذا رحمة من ربى ثم بين للحضور معتقده الصافى فى الإيمان فى البعث والإيمان بيوم القيامة فقال لهم إن الذى أمر ببناء هذا السد هو اللـه ، وأن الذى أمر بحجز يأجوج ومأجوج هو اللـه ، وأن الذى سيأذن لهم بالخروج هو اللـه ، وحتما سيأتى يوم على هذا السد المنيع ليجعله اللـه عز وجل دكاء أى ليسويه بالأرض وذلك لا يكون إلا بين يدى الساعة كما سيسوى جبال الأرض كلها بالأرض .
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
هكذا يبين ذو القرنين العقيدة الصافية فى الإيمان بالبعث ، فى الإيمان بيوم القيامة وعلامته الكبرى حين يأذن الحق تبارك وتعالى ليأجوج ومأجوج فى الخروج حينئذ يستطيعون أن ينفذوا هذا السد ويخرجوا وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء :

رابعاً : خروجهم بين يدى الساعة

فى صحيح البخارى من حديث زينب بنت جحش رضى اللـه عنها " أن النبى  دخل عليها يوما فزعا وهو يقول (( لا إله إلا اللـه ، لا إله إلا اللـه ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه )) وحلق بأصبعه السبابة والإبهام فقالت زينب بنت جحش : يا رسول اللـه أَنهلِكُ وفينـا الصالحون فقال المصطفى  Sad( نعم إذا كَثُرَ الخبـث )) ( )يهلك الصالح والطالح ويبعث اللـه الصالحين والطالحين على نيـاتهـم .
وتدبر معى هذا الحديث :الذى رواه أحمد والترمذى وابن ماجة وابن حبان والحاكم فى المستدرك وصحح الحاكم الحديث على شرط الشيخين وأقر الحاكم الذهبى والألبانى فى السلسلة من حديث أبى هريرة أن الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى قال : (( إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قالوا : ارجعوا فستحفرونه غداً فيرجعون فيعد اللـه السد أشد مما كان ، حتى إذا أراد اللـه أن يبعثهم خرجوا يحفرون السد فقال الذى عليهم إذا ما رأوا شعاع الشمس ارجعوا وستحفروه غدا إن شاء اللـه تعالى فيعودون فيرون السد كهيئته التى تركوه عليها فيحفرونه ويخرجون )) ( ) وفى رواية مسلم فى حديث النواس بن سمعان (( فيمرون على بحيرة طبرية فإذا مَرَّ أوائل يأجوج ومأجوج شربوا ماء البحيرة كله فإذا مر آخرهم قال : لقد كان فى هذه البحيره ماء )) .
فيخرجون فيخاف الناس ويتحصنون منهم فى الحصون ، يتركون لهم الشوارع والطرقات لا قدرة لأحد بقتالهم كما سأذكر فى رواية النواس بن سمعان قال المصطفى  : (( يا عيسى إنى قد بعثت قوما ( أى يأجوج ومأجوج ) لا يدان لأحد بقتالهم ( أى لا طاقة لأحد بقتالهم ) فحرز عبادى إلى الطور أى اجمع عبادى من المؤمنين إلى جبل الطور فى سيناء )) ويتحصن الناس منهم فى حصونهم فيقول يأجوج ومأجوج لقد قتلنا أهل الأرض تعالوا لنقتل أهل السماء .
انظر إلى الفجور !! وبهذه العبارة فقط تستطيع أن تتصور حجم الفساد فى الأرض إذ تجرأ هؤلاء وفكروا فى أن يقاتلوا أهل السماء وبالفعل يوجهون النشاب ( أى السهام ) إلى السماء فيريد الملك أن يبتليهم فيرد اللـه عليهم نشابهم ملطخة دماً فتنة من اللـه تعالى فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فى الوقت الذى تبتلى فيه الأرض بهذه الفتنة تكون فتنة أخرى عصفت بأهل الأرض عصفاً ألا وهى فتنة الدجال فينزل عيسى عليه السلام وهذا ما سنتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة .
وأقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله الا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .

خامساً: عيسى بن مريم والدعاء المستجاب

يُنزل اللـه تعالى عيسى عليه السلام كما فى حديث النَّواس بن سمعان الذى رواه مسلم قال المصطفى : (( فبينما هو كذلك ( أى الدجال) إذ أنزل اللـه عز وجل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهرودتين أى ثوبين مصبوغين واضعاً كَفَّيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدَّر منه جمان كاللؤلؤ )) إذا رفع نبى اللـه عيسى رأسه تقطر منها الماء كحبات اللؤلؤ الأبيض .
يقول المصطفى  (( فيطلب عيسى بن مريم الدجال حتى يدركه بباب لُدّ (مدينة بفلسطين) )) فيقتل عيسى بن مريم الدجال عليه لعنة اللـه
(( ثم يأتى عيسى بن مريم قوم قد عصمهم اللـه منه فيمسح عن وجوههم ويبشرهم بدرجاتهم فى الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى اللـه إلى عيسى إنى قد أخرجت عباداً لى لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادى إلى الطـور )) ( أى لا طاقـة ولا قـدرة لأحـد بقتـالـهم ) يقـول المصطقى  : (( ويبعث اللـه يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون )) ينتشرون ، يغطون وجه الأرض من فوق المرتفعات والجبال .
فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ، ويمر آخرهم فيقولون : لقد كان بهذه مَّرةً ماءُُ ويحصر نبى اللـه عيسى عليه السلام وأصحابه فيـرغـب نـبى اللـه عيسى وأصحابه أن يتضرعـوا إلى اللـه عز وجل أن يهلـك يأجوج ومأجوج فيستجيب اللـه دعاء عيسى وأصحابه من أمة النـبى محمد  .
اسمع ماذا قال المصطفى  : (( فيرسل اللـه على يأجوج ومأجوج النغف )) النغف : هو الدود الصغير .
تدبر قدرة الملك وعظمة الملك ، واللـه ما أحوج الأمة إلى أن تمتلئ قلوبها يقينا بقدرة الملك جل جلاله .
ما أحوجنا إلى أن نتعرف على عظمة اللـه وعلى جلال اللـه ، وعلى قوة اللـه ، وعلى قدرة اللـه ، فإن أمر اللـه بين الكاف والنون .
فيرسل اللـه عليهم النغف أى الدود الصغير فى رقابهم فيهلكهم الحق جل وعلا فيقول المصطفى  : (( فيصبحون فرسى ( أى قتلى ) كموت نفس واحدة )) فى رواية (( يطلب نبى اللـه عيسى واحداً من هؤلاء المتحصنين الخائفين أن يخرج وأن يبذل نفسه ليرى ماذا فعل يأجوج ومأجوج فى الأرض فيخرج وهو مستعد للقتل والهلاك فيرى هذه الكرامة والمعجزة والآية فيرجع لنبى اللـه عيسى وينادى عليه وعلى أصحابه : أبشروا لقد أهلك اللـه يأجوج ومأجوج )) يقول المصطفى  : (( ثم يهبط نبى اللـه عيسى مع أصحابه فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم ( الزهم : الدهن والشحم ) لا يقوى الناس على هذه الرائحة الكريهة النتنة . فيرغب نبى اللـه عيسى وأصحابه إلى اللـه أن يطهر الأرض من هذه النتن ، فيرسل اللـه عز وجل طيراً كأعناق البخت (أى كرقاب الإبل) فتحملهم فتطرحهم حيثما شاء اللـه ثم يرسل اللـه مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَقَة (أى تصبح الأرض كالمرآة فى صفائها ونقائها ) وحينئذ يقال للأرض أنبتى ثمرتك وردِّى بركتك )). يقول المصطفى  : (( فبينما هم كذلك إذ بعث اللـه ريحاً طيبة تأخذ الناس تحت آباطهم فتقبض هذه الريح روح كل مؤمن ومسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فى الأرض تهارج الحمر (أى الحمير) وعليهم تقوم الساعة )) .
وبذلك يكون قد أنهيت الحديث عن يأجوج ومأجوج من المصادر اليقينية من كتاب اللـه والسنة الصحيحة ، وأنصح أحبابى أن لا يقفوا بعد ذلك وراء الأساطير والأوهام والإسرائيليات التى وردت فى ذلك .
أسال اللـه جل وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع وأن يفقهنا وإياكم فى الدين وأن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه على كل شئ قدير
اللـهم استرنا ولا تفضحنا وأكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا اللـهم لا تدع لأحد منا فى هذا المقام الكريم ذنباً إلا غفرته ولا مريضا إلى شفيته ولا ديناً إلا قضيته ، ولا هماً إلى فَرَّجْته ، ولاميتا إلا رحمته ، ولا عاصيا إلا هديته ، ولا طائعا إلا سددته ، ولا حاجة هى لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين .
اللـهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً ، وتفرقناً من بعده تفرقا معصوما ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً أو محروماً .
اللـهم اهدنا واهدِ بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى .
اللـهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مغيرين ولا مبدلين برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم احمل المسمين الحفاة واكسوا المسلمين العراة وأطعم المسلمين الجياع
اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان .
اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين .
أحبتى فى اللـه ..
هذا وما كان من توفيق فمن اللـه وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمنى ومن الشيطان واللـه ورسوله منه براء وأعوذ باللـه أن أكون جسرا تعبرون عليه إلى الجنة ويُلقى به فى جهنم ثم أعوذ باللـه أن أذكركم به وأنساه.
وصلى اللـهم وسلم وزد وبارك على محمد صلى اللـه عليه وسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   8/11/2008, 11:19 pm

إن الحمـد لله نحمـده ونستعينـه ونستغفره ونعـوذ باللـه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .
واشهد أن لا اله إلاَّ اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسولـه :
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . [ آل عمران - 102 ] .
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } . [ النساء -1 ] .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِـرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .

أما بعـــد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللـه وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار .
أحبتى فى اللـه :
فى رحاب الدار الآخرة
سلسلة علمية كريمة تجمع بين المنهجية والرقائق وبين التأصيل العلمى والأسلوب الوعظى ، الهدف منها تذكير الناس بالآخرة فى عصر طغت فيه الماديات والشهوات وانصرف فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسموات .
لعل الغافل أن ينتبه ولعل النائم أن يستيقظ قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون .
لقــد انتهينا فى اللقاء الماضى مع الجنازة وهى فى طريقها إلى القبر تتكلــم .!! ، كما فى صحيح البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللـه عنه أن النبى  قــال :
(( إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدمونى ، وإن كانت غير ذلك قالت :يا ويلها ، أين يذهبون بها ؟ يسمع صوتها كل شئ إلا الثقلين -أو قال : إلا الإنسان - ولو سمع الإنسان لصعق )) ( ) .
وها نحن قد وصلنا بالجنازة إلى القبر فقف معى الآن عند القبر وأهواله وفتنة القبر وأحواله . أسأل اللـه جل وعلا أن يحفظنا وإياكم من فتنته إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا اليوم مع حضراتكم فى هذه العناصر التالية :-
أولاً : الأدلة على عذاب القبر ونعيمه .
ثانياً : أسباب عذاب القبر .
ثالثاً : ما السبيل للنجاة من عذاب القبر .
فأعرنى قلبك وسمعك أيها الحبيب الكريم واللـه أسال أن يجعلنى وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه ولى ذلك والقادر عليه .

أولاً : الأدلة على عذاب القبر ونعيمه

نحن اليوم فى أمس الحاجة لهذا الموضوع الذى نحن بصدده فهو من الأهمية بمكان لا سيما بعد ما قرأنا على صفحاتٍ سوداء فى مقال أسود بعنوان " عذاب القبر خرافات وخزعبلات " !!
هكذا يعنون لمقاله فضيلة الأستاذ الدكتور ثم يتطاول هذا الأستاذ الدكتور الجرىء فيقول : " إن جميع الأحاديث التى وردت فى مسألة عذاب القبر مجرد خرافات " !!! ، ثم أظهر جهله الفادح ، فقال : " إن عذاب القبر غيب والقرآن بَيَّن لنا أن النبى لا يعلم الغيب " !! جهل مركب ..!
معنى ذلك يا فضيلة الدكتور أنه ينبغى أن ننكر ونكذب كل أمر غيب أخبرنا به المصطفى  ، كالإيمان باللـه ، وكالإيمان بالملائكة ، وكالإيمان باليوم الآخر وكالإيمان بالقدر خيره وشره ... إلى سائر الغيبيات التى أخبر عنها رسول اللـه  .
نسى هذا المسكين قول رب العالمين فى سيد المرسلين :
{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [النجم : 3 ، 5 ] .
أما تقرأ يا مسكين فى سورة البقرة قوله تعالى { الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. } [ البقرة :1، 2].
وتمنيت يا فضيلة الدكتور لو قرأت من جديد هذه الآيات ، إن أول صفة من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب .
وخرج علينا أستاذ آخر فكتب كتاباً ضخماً يزيد عن الثلاثمائة صفحة ، ينفى فيه من أول صفحة إلى آخر صفحة عذاب القبر ونعيمه ، بِلَىّ أعناق النصوص لياً عجيباً ، وها أنا الآن أرد على هؤلاء المتطاولين المكذبين المنكرين ، الذين قال عنهم الإمام القرطبى والإمام الحافظ ابن حجر : " لم ينكر عذاب القبر إلى الملاحدة ، والزنادقة ، والخوارج ، وبعض المعتزلة ، ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة ، وخالفهم جميع أهل السنة "
وقال الإمام أحمد رحمه اللـه : " عذاب القبر حق ومن أنكره فهو ضال مضل "
أيها الحبيب : سأقدمُ إليك سيلاً من الأدلة الصحيحـة على عذاب القبر من كلام الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى ولن أطيل الوقفة مع القرآن ! لماذا ؟! .. لأن القرآن حمَّال ذو أوجه كما قال على بن أبى طالب لابن عباس وهو فى طريقه لمناظرة الخوارج .
قال على : يا ابن عباس جادلهم بالسنة ولا تجادلهم بالقرآن فإن القران حمَّال ذو أوجه.
اسـتهل الحديث بين يدى هذا العنصر الهام بمقدمة اقتبسها من كلام أئمتنـا الأعلام وأبدأ هذه المقدمة بكلام دقيق نفيس للإمام ابن أبى العز الحنفى شـارح العقيـدة الطحـاوية على شارحها ومصنفها الرحمة من اللـه جل وعلا .
قال : اعلم أن عذابَ القبر هو عذاب البرزخ ، وكل إنسان مات وعليه نصيب من العذاب فله نصيبه من العذاب قُبِرَ أو لم يُقْبر سواء أكلته السباع أو احترق فصار رماداً فى الهواء أو نسف أو غرق فى البحر .
تأملوا يا من تحكمون العقول فى هذا الدليل الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه أن النبى  قال : (( قال رجل ، لم يعمل حسنة قط لأهله : إذا مات فحرقوه . ثم ذروه ، نصفه فى البر ونصفه فى البحر فواللـه لئن قدر اللـه عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين . فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم . فأمر اللـه البر فجمع ما فيه ، وأمر اللـه البحر فجمع ما فيه . ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك ، وأنت أعلم فغفر اللـه له )) ( ) .
الشاهد من الحديث أن اللـه أحياه بعدما حُرِق وذُرِىَ رماده فى البحر والبر فقال له الملك كن فكان على الفور .
قال تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللـه كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } . [ آل عمران : 59 ] .
وقال تعالى : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللـه بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللـه مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللـه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . [ البقرة : 259 ] .
وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللـه عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 260 ] .
إن قدرة اللـه لا تحدها حدود ، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء وأنهى هذه المقدمة بكلام نفيس للإمام ابن القيم رحمه اللـه تعالى :
" إن اللـه تعالى قد جعل الدور ثلاثة ، وهى دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار " ثم قال : " وجعل اللـه لكل دار أحكاماً تختص بها ، فجعل اللـه الأحكام فى دار الدنيا تسير على الأبدان، والأرواح تبع لها ، وجعل الأحكام فى دار البرزخ تسرى على الأرواح ، والأبدان تبع لها ، وجعل الأحكام فى دار القرار تسرى على الأرواح والأبدان معاً "
ثم قال ابن القيم : " واعلم أن سعة القبر ، وضيقه ، ونوره ، وناره ليس من جنس المعهود للناس فى عالم الدنيا " .
ثم ضرب للناس مثلا عقلياً دقيقاً رائعاً فقال :
" انظر إلى الرجلين النائمين فى فراش واحد أحدها يرى فى نومه أنه فى نعيم ، بل وقد يستيقظ وأثر النعيم على وجهه ويقص عليك ما كان فيه من النعيم ، قد يقول لك الحمد لله لقد رأيتنى الليلة وأنا مع رسول اللـه  ورأيت النبى وكلمت النبى  ورد علىّ النبى  وقال لى النبى  ..الخ
من رأى النبى فى المنام فقد رآه حقاً ، وأخوه إلى جواره فى فراش واحد قد يكون فى عذاب ويستيقظ وعليه أثر العذاب ويقص عليك ويقول كابوس كاد أن يخنق أنفاسى !!
هل تدبرت أخى فى اللـه فى هذا الكلام ؟!! الرجلان فى فراش واحد هذه روحه كانت فى النعيم ، وهذا روحه كانت فى العذاب مع أن أحدهم لا يعلم عن الأخر شيئاً .
هذا فى أمر الدنيا فما بالك بأمر البرزخ الذى لا يعلمه إلا اللـه ؟!!
مقدمة دقيقة ولو تدبرتها لوقفت على الحقيقة .
وأنا أقول : متى كان العقل حاكماً على الشرع والدين ؟!!
لله در عَلىّ يوم أن قال : " لو كان أمر الدين بالعقل لكان المسح عل باطن الخف أولى من المسح على أعلاه " ( ) .
إليك الأدلة الصحيحة الصريحة عن عذاب القبر أستهلها بهذه الترجمة الفقهية البليغة لإمام الدنيا فى الحديث - الإمام البخارى - فقد ترجم فى كتاب الجنائز باباً بعنوان ((باب ما جاء فى عذاب القبر )) وتكفى هذه الترجمة ، ولقد فَقُهَ البخارى فى تراجمه كما قال علماء الحديث وعلماء الجرح ، وساق البخارى فى هذا الباب الآيات الكريمة عن اللـه جل وعلا وروى فيه الأحاديث الصحيحة عن رسول اللـه  ، وسأكتفى بآية واحدة استدل بها جميع أهل السنة بلا خلاف على ثبوت عذاب القبر :
قال اللـه تعالى : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } . [ غافر : 45 ، 46 ] .
قال جميع علماء أهل السنة : ذكر اللـه فى هذه الآية عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار ذكراً صريحاً ، وحاق بآل فرعون سوء العذاب ، النار يعرضون عليها غدواً وعشياً : أى صباحاً ومساءاً هذا فى دار البرزخ ، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب : أى يوم القيامة .
فذكر اللـه عذابين فى الآية : عذاباً فى الدنيا وعذاباً فى الآخرة عذاب دار البرزخ وعذاب دار القرار .
وقبل أن أزف إليك الأدلة الصحيحة التى تلقم المنكرين الأحجار أود أن أنوه إلى أن اللـه قد أنزل على النبى وحيين وأوجب اللـه على عباده الإيمان بهما ألا وهما القرآنُ والسنة الصحيحة .
انطلق هؤلاء المنكرون وقالوا... كفانا القرآن وظنوا أنهم بهذه الدعوى التى يغنى بطلانها عن إبطالها ، ويغنى فسادها عن إفسادها أنهم قد خدعونا واللـه ما خدعوا إلا أنفسهم ..
من كَذَّبَ بالسنة الصحيحة فقد كفر بالقرآن .. ومن رد السنة فقد رد القرآن .
تدبر معى آيات اللـه عز وجل : { وَمَـا ءَاتَـاكُـمُ الرَّسُـولُ فَخُـذُوهُ وَمَـا نَهَـاكُـمْ عَنْـهُ فَانْتَهُـوا وَاتَّقُوا اللـه إِنَّ اللـه شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ الحشر : 7 ] .
وقال تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع اللـه ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً } [ النساء : 80 ] .
وقال تعالى : { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
[ النساء : 65 ] .
وقال تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللـه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا }.[الأحزاب: 36 ] .
وقال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللـه وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللـه إِنَّ اللـه سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } [ الحجرات : 1، 2 ] .

فالسنة حكمها مع القرآن على ثلاثة أوجه.
قال ابن القيم فى إعلام الموقعين : السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن تأتى السنة مؤكدة لما جاء به القرآن وهذا من باب تضافر الأدلة .
الوجه الثانى : أن تأتى السنة مبينة وموضحة لما أجمله القرآن .
قال تعالى : { وأقيموا الصلاة } لكن لم يذكر عدد الصلوات ، ولا أركان الصلاة، ولا كيفية الصلاة ولا مواقيت الصلاة ، فجاء الحبيب المصطفى  لكى يبين لنا عددها وأركانها وكيفيتها ومواقيتها وهكذا .
الوجه الثالث : أن تأتى السنة موجبة أو محرمة لما سكت عنه القرآن ، قال المصطفى  : (( ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه )) قال المصطفى  : (( ألا إن ما حرم اللـه كما حرم رسول اللـه )) ( ).
وإليكم الأحاديث الصحيحة التى تثبت أن عذاب القبر حقيقة لا ريب :
ففى الحديث الذى رواه أحمد والحاكم وغيره وحسنه الشيخ الألبانى " كان عثمان إذا وقف على القبر بكى وإذا ذكر الجنة والنار لا يبكى فقيل له : يا عثمان تذكر الجنة والنار فلا تبكى فإذا وقفت على القبر تبكى ، قال عثمان : لقد سمعت رسول اللـه  يقول : (( القبر أول منازل الآخرة فإن نجى منه صاحبه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينجو منه صاحبه فما بعده أشد منه )) .
وانظر إلى هذا الحديث الصحيح قال المصطفى  حينما مر على قبرين فقال  : (( أما إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير)) ثم قال (( أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة ، وأما الأخر فكان لا يستتر من بوله - أو لا يتنزه من بوله - )) ( ) .
• وَقِفْ مع هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث
ابن عباس رضى اللـه عنهما أن النبى كان يدعو اللـه ويقول : (( اللـهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر )) ( ) .
وفى الحديث الذى رواه مسلم وأحمد وابن حبان والبزار وغيرهم من حديث زيد بن ثابت رضى اللـه عنه : (( بينما النبى  فى حائط لبنى النجار على بغلة له ونحن معه إذ جاءت به ( أى البغلة ) فكادت تلقيه ، وإذا أقبر ستة ، أو خمسة ، فقال : (( من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر ؟ )) قال رجل : أنا ، قال : (( فمتى ماتوا ؟ )) قال : فى الشرك ، فقال : (( إن هذه الأمة تُبْتَلَى فى قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللـه أن يُسْمِعَكُم مـن عذاب القبر الذى أسمع منه )) ثم أقبل علينـا بوجهـه  فقال : (( تعوذوا باللـه من عذاب القبر )) قالوا : نعوذ باللـه من عذاب القبر ( ) .
وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى اللـه عنها قالت : (( دَخَلَتْ علىّ امرأة من يهود المدينة فذكرت عذاب القبر فقالت المرأة لعائشة : أعاذك اللـه من عذاب القبر فلما خرجت اليهودية سألت عائشة النبى  عن عذاب القبر فقال : (( نَعَمْ عذاب القبر)) وفى رواية (( عذاب القبر حق )) فقالت عائشة : " فما رأيت النبى  يصلى بعدها إلا ويستعيذ من عذاب القبر " ( ) .
واسمع إلى هذا الحديث العمدة فى المسألة ، وهو أصل من أصول هذا الباب رواه الإمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه والبيهقى فى سننه والنسائى فى سننه وأبو داود فى سننه ورواه الحاكم فى المستدرك وصححه على شرط الشيخين وأقره الإمام الذهبى وصحح الحديث الإمام ابن القيم فى كتاب تهذيب السنن وإعلام الموقعين وأطال النفس للرد على من أَعَلَّ هذا الحديث وصحح هذا الحديث الشيخ الألبانى وغيره من حديث البراء بن عازب رضى اللـه عنه أنه قال : خرجنا مع النبى  فى جنازة رجل من الأنصار فلما انتهينا إلى القبر جلس النبى على شفير القبر ( حافة القبر ) وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير ( لا يتكلمون ) وفى يد النبى  عود ينكـت بـه الأرض ثم رفـع النبـى  رأسـه فنظـر وقـال لأصحـابـه : (( استعيذوا باللـه من عذاب القبر ، استعيذوا باللـه من عذاب القبر ، استعيذوا باللـه من عذاب القبر )) قالها النبى مرتين أو ثلاثـة ثـم التفـت إليهــم النبى  وقال : (( إن العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس ، معهم كفن من أكفان الجنة ، وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : يا أيتها النفس الطيبة اُخرجى إلى مغفرة من اللـه ورضوان ، فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من فِىّ السِّقَاء فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها فى ذلك الكفن ، وفى ذلك الحنوط ، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون : فلان بن فلان ، بأحسن أسمائه التى كانوا يسمونه به فى الدنيا ،حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ،فيفتح له ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التى تليها ، حتى ينتهى إلى السماء السابعة ،فيقول اللـه عز وجل : اكتبوا كتاب عبدى فى عليين وأعيدوا عبدى إلى الأرض ، فإنى منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فتعاد روحه ،فيأتيه ملكان ، فيجلسانه فيقولان : من ربك ؟ فيقول : ربى اللـه ، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول دينى الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذى بعث فيكم ؟ فيقول هو رسول اللـه ، فيقولان له وما علمك ؟ فيقول : قرأت كتاب اللـه فأمنت به وصدقت ، فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى فأفرشوه من الجنة ، وألبسوه من الجنة ، وافتحوا له باباً إلى الجنة ،فيأتيه من روحها وطيبها ،ويفسح له فى قبره مد بصره ، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب ، طيب الريح ، فيقول : أبشر بالذى يسرك ، هذا يومك الذى كنت توعد ، فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذى يجئ بالخير ، ً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   9/11/2008, 12:12 pm

ماشاء الله عليك اخى الكريم / قلب ينزف دموع
الموضوع اكثر من رائع
ومهم جدا ويستحق المتابعه
اسجل متابعتى .. وفى انتظار القادم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   9/11/2008, 5:51 pm

جزاكم الله خيرا اختي في الله صوت المطر نستكمل بأذن الله
فيقول : أنا عملك الصالح ، فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة ، حتى أرجع إلى أهلى ومالى ... وإن العبد الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا ، وإقبال من الآخرة ، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ، معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ،فيقول : أيتها النفس الخبيثة اخرجى إلى سخط من اللـه وغضب ، فتفرق فى جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يجعلوها فى تلك المسوح ، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ،فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلاَّ قالوا : ما هذه الروح الخبيثة ؟! فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها فى الدنيا فيستفتح له ، فلا يفتح له ، ثم قرأ { لا تفتح لهم أبواب السماء } فيقول اللـه عز وجل : اكتبوا كتابه فى سجين فى الأرض السفلى ، فتطرح روحه طرحا ً فتعاد روحه فى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : هاه .. هاه.. لا أدرى ، فيقولان : له ما دينك ؟ فيقول : هاه .. هاه.. لا أدرى ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذى بُعِثَ فيكم ؟ فيقول : هاه .. هاه.. لا أدرى ، فينادى منادٍ من السماء : أن كذب عبدى ، فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه ، قبيح الثياب ، منتن الريح ، فيقول : أبشر بالذى يسوؤك ، هذا يومك الذى كنت توعد فيقول : من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر ؟ فيقول : أنا عملك الخبيث ، فيقول : رب لا تقم الساعة !! )) ( ) .
معذرة أيها الحبيب لقد أطلت عليك الجولة مع الأدلة على عذاب القبر ونعيمه ، وسأعرج سريعاً على العنصرين الآخرين وهى أسباب عذاب القبر ، ما السبيل للنجاة ؟ ، وذلك بعد جلسة الاستراحة .
وأقول قولى هذا واستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد..

ثانياً : أسباب عذاب القبر

والحديث عنها له وجهان مجمل ومفصل ، أما المجمل فإن معصية اللـه عز وجل أصل لكل بلاء وعلى رأس هذه المعاصى الشرك ، فإن أعظم زاد تلقى اللـه به هو التوحيد ، وإن أبشع وأعظم ذنب تلقى اللـه به هو الشرك ، قال اللـه : { إنَّ الشِّركَ لَظُلمُُ عَظيِمُُ } [ لقمان - 13].
أما التفصيل فقد ذكر النبى  كما ذكرت آنفا أن النميمة من أسباب عذاب القبر ، وهناك الآن أناس متخصصون فى النميمة .
فالنميمة سبب من أسباب عذاب القبر ، وأيضا عدم الاستتار من البول ، وعدم التنزه منه وهذا ما ذكره النبى  فى حديثه الذى كنا بصدده من قبل.
أيضا من أسباب عذاب القبر الكذب والربا وهجر القرآن كما فى حديث سمرة بن جندب الطويل الذى رواه البخارى الذى لا يتسع المقال لذكره الآن لقد ذكر فيه النبى  من أسباب عذاب القبر الكذب والرياء وهجر القرآن والزنا ، والغلول (كل شئ يأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم ) ويدخل تحت الغلول السحت والحرام .
فعن أبى هريرة رضى اللـه عنه قال : خرجنا مع رسول اللـه  إلى خيبر ففتح اللـه علينا ، فلم نغنم ذهباً ، ولا وَرِقاً ، غنمنا المتاع والطعام والثياب ، ثم انطلقنا إلى الوادى يعنى وادى القرى ومع رسول اللـه  عبد له ،وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن يزيد من بنى الضُّبيب ، فلما نزلنا الوادى قام عبد رسول اللـه  يَحُلُّ رحله ، فرمى بسهم ، فكان فيه حتفه فقلنا : هنيئاً له الشهادة يا رسول اللـه ، فقال رسول اللـه  : (( كلا والذى نفسى محمد بيده ، إن الشَّمْلَة ( إزار يتشح به ) لتلتهب عليه ناراً ، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم يصبها المقاسم )) قال : ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين ( الشراك : سير من سيور النعل ) فقال أصبته يوم خيبر فقال رسول اللـه  : (( شراك من نار ، أو شراكان من نار )) ( ) .
أيها الأحباب : والسؤال الآن فما السبيل للنجاة من عذاب القبر ؟!
ثالثاً : السبيل للنجاة من عذاب القبر

أقول لك بإيجاز شديد ، أعظم سبيل للنجاة من عذاب القبر أن تستقم على طاعة اللـه جل وعلا وأن تتبع هدى النبى  .
قال اللـه عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللـه ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .
[ فصلت : 30 ، 32 ] .

ومن أنفع الأسباب كذلك للنجاة من عذاب القبر ما ذكره الإمام ابن القيم فى كتابه القيم ( الروح ) ، قال : ومن أنفعها أن يتفكر الإنسان قبل نومه ساعة ليذكر نفسه بعمله ، فإن كان مقصراً زاد فى عمله وإن كان عاصياً تاب إلى اللـه ، وليجدد توبة قبل نومه بينه وبين اللـه .
فإن مات من ليلته على هذه التوبة فهو من أهل الجنة ،نجاه اللـه من عذاب القبر ومن عذاب النار .


ومن أعظم الأسباب التى تنجى من عذاب القبر :
أن تداوم على العمل الصالح كالتوحيد ، والصلاة ، والصيام ، والصدقة ، والحج ، وحضور مجالس العلم والعلماء التى ضيعها أناس كثيرون وانشغلوا عنها بلهو قتل الوقت .
أيضا من أعظم الأسباب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، كل عمل يرضى الرب فهو عمل صالح ينجى صاحبه من عذاب القبر والنار .
وأبشركم ... أن من أعظم الأعمال التى تنجى صاحبها من عذاب القبر الشهادة فى سبيل اللـه ورد فى الحديث الذى رواه الحاكم وحسن إسناده الشيخ الألبانى أن النبى  قال :
(( للشهيد عند اللـه ست خصال ، الأولى : يغفر له مع أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، الثانية : ينجيه اللـه عز وجل من عذاب القبر، الثالثة : يأمنه اللـه يوم الفزع الأكبر ، الرابعة : يلبسه اللـه تاج الوقار ، الياقوتة فيه خير من الدنيا وما فيها ، الخامسة : يزوجه اللـه بثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، السادسة : يشفعه اللـه فى سبعين من أهله )).
ولن أترك مكانى هذا إلا بعد أن أزف إليكم حديثا يملأ القلب أملا ورضا ، والحـديث رواه الـحاكم فى المستدرك وصححه وأقره الذهبى وصحح إسـناده الشـيخ الألبانى فى مشكاة المصابيح عن ابن مسعود رضى اللـه عنه قال  :
(( سورة الملك ، تبارك الذى بيده الملك ، هى المانعة وهى المنجية تنجيه من عذاب القبر )) ( ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   9/11/2008, 5:58 pm

نفخة البعث
بسم اللـه الرحمن الرحيم



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلاَّ اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . [ آل عمران - 102 ] .
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } . [ النساء -1 ] .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُـوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُـمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَـنْ يُطِـعِ اللـه وَرَسُولَـهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .

أما بعــــد :
فإن أصدق الحديث كتاب اللـه ، وخير الهدى هدى محمد  ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار.
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا التاسع مع رحلة فى رحاب الدار الآخرة وها نحن الآن على موعد مع حديث مروع مهيب يحدث حين وقوع الساعة .
قال اللـه تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرض إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68)وَأَشْرَقَتِ الأَرض بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(69)وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [الزمر : 68 -70 ].
فبعد أن تكلمنا آنفا عن الصور ، ونفخة الفزع ، والصعق بقى لنا أن نتكلم عن نفخة البعث ؟ وكما تعودنا أيها الأحبة الكرام حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً سوف ينتظم حديثى فى هذا الموضوع الهام فى العناصر التالية :
أولاً : نفخة البعث
ثانياً : الأدلة على البعث من القرآن والسنة
ثالثاً : من مات على شىء بعث عليه
لقد انتهينا فى اللقاء الماضى عند هذا المشهد الرهيب فى وسط هذا الكون المذهل المهيــب حينما ينطق صوت جليل قريب يسأل صاحب الصوت ويجيب فلا يومها من سائل غيره ولا مجيب .
ويقول بعد فناء كل الخلق قاطبـة أين الملوك ؟! أين الجبارون ؟! أين المتكبرون ؟! ثم ينادى جل جلاله بصوته سبحانه ويقول : لمن الملك اليوم ؟! فلا يجيب على اللـه أحد لأنه لا أحد يجيب على ذاته جل فى علاه ويقول :لله الواحد القهار .
مات كل مخلوق ولم يبق إلا اللـه الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، كان آخراً كما كان أولا { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .هو الأول فلا شىء قبله وهو الآخر فلا شىء بعده وهو الظاهر فلا شىء فوقه وهو الباطن فلا شىء دونه وهو السميع العليم .

أولاً : نفخة البعث

واللـه لا يعلمها إلا من وسع علمُه كلَ شىء ؟! ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه  قال : (( بين النفختين أربعون )) قالوا : ياأبا هريرة أربعون يوماً قال أبا هريرة : أبيت ؟ قالوا : ياأبا هريرة أربعون شهراً قال : أبيـت ؟ قالـوا : ياأبـا هريـرة أربعون سنة قال : أبيت أن أسأل رسول  عن ذلك فعلمها عند اللـه )) ( ) .
بعد أربعين إذا أراد اللـه أن يحى ويبعث خلقه أنزل من السماء ماءً فتنبت به الأجسام فى القبور تحت باطن الأرض كما ينبت البقل .
ففى صحيح مسلم أنه  قال: (( كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب( ) منه خلق ابن آدم ومنه يركب )) ( ) فإذا ماأراد اللـه أن يبعث الخلائق أتى بهذه العظمة الدقيقة وأتى بجسد صاحبها .. ماتفرق منه فى البحار .. وما تفرق منه فى التراب .. وماذهب منه إلى بطون الحيوانات والسباع .. يأتى به اللـه جل وعلا ويركب اللـه جل وعلا جسد صاحبها واللـه يعلم عظمة كل إنسان خلقه من لدن آدم إلى يوم القيامة فتكتمل الأجساد فى القبور وحينئذ يأمر إسرافيل بعد مايحييه أن يلتقم الصور( )وينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح .. أرواح المؤمنين لها نور وأرواح المشركين لها ظلمة !! فتسرى الأرواح إلى الأجساد التى اكتملت كما يسرى السم فى اللديغ ( ) وحينئذ يأمر اللـه جل وعلا الأرض أن تتزلزل وأن تتشقق ليخرج منها الناس من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة .
قال تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرض إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68)وَأَشْرَقَتِ الأَرض بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ(69)وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [الزمر : 68 -70 ].
وقال تعالى :
{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(51)قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(52)إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ(53)فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [ يس : 51 - 54 ] .وقال تعالى :
{ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ(41)يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ(42)إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ(43)يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرض عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ(44)نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 41 - 45 ].
واستمع معى إلى قول اللـه عز وجل
{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرض زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتِ الأَرض أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ(6)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [ الزلزلة : 1 - 8 ] .
تعال معى أخى فى اللـه لنتجول سريعاً مع معانى هذه الآيات :
{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرض زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتِ الأَرض أَثْقَالَهَا } :
أى إذا حدث زلزال الأرض العظيم الذى ليس له مثيل على الإطلاق ، فلفظت الأرض ما حوته من جثث الخليقة وقالت بلسان الحال لقد أثقلتمونى كثيراً بذنوبكم ومعاصيكم فتحملت منكم الكثير ، من سفك دماء ، وسلب ونهب ، وطغيان ، وعربدة ، وسرقة ، وما إلى ذلك من تلكم المعاصى ؟
{ وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا } :
ماالذى حول أمنها إلى اضطراب ؟! ماالذى حول سكونها إلى زلزلة ؟! ماالذى حدث ؟! فترد الأرض عليهم وتقول : إنها أوامر اللـه... سبحـــان اللـه الأرض تتكلـــم ! إنهــا إرادة اللـه !!
{ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } :
فى هذا الوقت سوف تعرف الأحداث ، سوف تعرف الأخبار وذلك بأمر من اللـه رب السموات والأرض .
{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ(6)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } :
باللـه عليك عش بقلبك ، وكيانك معى هـذا المشهـد الذى يخلع القلب ويزلزل الكيان . الأرض تتشقق وتتفتح القبور متناثرة هنا وهناك فى شمال وجنوب وغرب وشرق ، تتشقق تلكم القبور ويخرج من كل قبر عشرة أو مائه أو ألف يخرج من هنا وهنالك يخرج هذا وذاك ، شَخُصَ البصر إلى اتجاه واحد لايلتفت يميناً ولا يساراً إلى هذا الداعى - الملك الكريم - الذى جاء بأمر رب العالمين ليقود الناس جميعاً إلى أرض جديدة عفراء لم يطأها أحد من قبل بقدميه ألا وهى أرض المحشر .
قال جل وعلا : { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا(108)يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا(109)يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا(110)وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } [ طه : 108 - 111 ] .
{ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ } لا يلتفت أحد ولا يتخلف أحد ، أيتها العظام البالية أيتها العظام النخرة ، ياأكفاناً خاوية ويا قلوباً خاوية ويا عيوناً سائلة ويا أبداناً فاسدة .
أيها الناس جميعاً فى القبور حان وقت القيام لفصل القضاء بين يدى الملك الغفور .
ترى كيف يخرج الناس من قبورهم ؟!
يخرج الناس من القبور حفاة ، عراة ، غُرْلا . لانعال فى أقدامهم . لاثياب تغطى أبدانهم . لاشىء يسترهم .
غرلا : جمع أغرل والأغرل هو الصبى الصغير المولــود قبل ختانه .
قال تعالى : { كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلـقٍ نُّعِيدُهُ وَعْـداً عَلَينَا حَقاً إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } [ الانبياء : 104 ] .
يقول النبى  (( يحشر الناس حفاةً عراةً غرلاً )) .
فتعجبت عائشة أم المؤمنين قالت : يارسول اللـه الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟!! فقال المصطفى  : ((ياعائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك )) ( ) .
قال جل وعلا :
{ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ(33)يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34)وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35)وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(36)لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
[ عبس : 33 - 37 ].
تصور هذا المشهد ياعبد اللـه لتقف على هول وفظاعة هذا اليوم .
تذكر وقوفك يوم العرض عريان
والنار تلهب من غيظ ومن حنق
اقــرأ كتابك ياعبد على مهل
فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت
نادى الجليل خذوه ياملائكتى
المشــركون غداً فى النار يلتهبوا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
على العصاة ورب العرش غضبانا
فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
إقرار من عرف الأشياء عرفانا
وامضو بعبد عصى للنار عطشانا
والمؤمنون بدار الخلــــد سكانا
ياعبد اللـه دثر نفسك فى هذا اليوم برداء طيب كريم ألا وهو رداء العمل الصالح .. دثر جسدك فى هذا اليوم برداء العمل الصالح .. رداء الطيبات الصالحات الباقيات عند رب الأرض والسموات .
ذلك أن العمل الصالح هو القائد الوحيد إلى جنان العزيز الحميد .
ثانياً : الأدلة على البعث من القرآن والسنة

ها هو أحد الجاحدين يأتى إلى النبى  بعظم فيفته بين يديه ويذره فى الهواء ويقول للنبى فى سخرية واستهزاء : يامحمد أتزعم أن ربك يبعث هذا بعد ماصار رميماً ؟!! فقال له النبى  : (( نعم يميتك ثم يحيك ثم يدخلك النار )) .
فنزل قول اللـه جل وعلا :
{ أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77)وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79)الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ(81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[ يس : 77 - 83 ] .
يقول المصطفى كما فى الحديث الذى رواه أحــمد فى مسنده بسند حسن من حديث بسر بن جحاش القرشى أن الحبيب النبى  بصق يوماً على كفه ووضع المصطفى أصبعه عليها ثم قال : قال اللـه تعالى : ((ياابن آدم أنى تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديـن وللأرض منـك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغــت الروح التراقى قلت أتصـــدق ، وَأّنَّى أوان الصــدقة )) ( ) .
قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى }
[ القيامة : 36 -40 ].
بلى وعزته وجلاله إنه لقادر على أن يبعث الموتى .
وفى الصحيحين من حديث أبى هريـــرة أن النبى  قــال : قـال اللـه تعالى : (( كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، أما تكذيبه إياى ، فقوله لن يعيدنى كما بدأنى ، وليس أول الخلق بأهون علىَّ من إعادته وأما شتمه إياى فقوله اتخذ اللـه ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لى كفوا أحد )) ( ) .
قال تعالى : { زَعَـمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَن يُبعَثُوا قُل بَلَى وَرَبَّى لَتُبعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَئونَّ بِمَا عَمِلتُــم } [ التغابن : 7 ] .
أى سيبعثهم اللـه وسوف يقرأوا فى الصحائف التى لاتغادر صغيرة ولا كبيرة ولا تظلم مثقال ذرة من أعمالهم التى اقترفوها .
فرد الكفار المعاندون المكابرون وقالوا كما جاء فى كتاب اللـه : {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(49)قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50)أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا(51)يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا } [الإسراء : 49-52].
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أنه  قال (( كان رجل يسرف على نفسه فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وقال يا بنى إذا أنا مت فحرقونى فإذا صرت فحماً فاسحقونى فإذا كان يوم ريح عاصف فزرونى - وفى لفظ فازروا نصفى فى البر ونصفى فى البحر - فلإن قدر علىَّ ربى ليعذبنى عذابا ماعذبه أحداً من العالمين )) وأخذ هذا الرجل العهود والمواثيق على أولاده أن يحرقوه وأن يسحقوه وأن ينثروه فىالريح فى البر والبحر فلما مات الرجل فعلوا به ذلك . يقول المصطفى  : (( فأمر اللـه البر فجمع مافيه وأمر اللـه البحر فجمع مافيه وقال الملك جل جلاله لهذا الرجل كن ، فإذا هو رجل قائم بين يديه سبحانه ثم قال : عبدى ما حملك على ذلك ؟ قال : خشيتك يارب وأنت تعلم فغفر اللـه له )) ( ) .
وفى الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضى اللـه عنه قال : سمعت النبى  يقول قال اللـه : (( ياابن آدم إنـك ما دعـوتنى ورجـوتنى غفرت لـك علـى ماكان منك ولا أبالى ، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم اسـتغفرتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى ، ياابن آدم لو أتيتنى بقُـراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفـرة )) ( ) .ولقد ضرب اللـه لنا أمثلة عملية فى كتابه الكريم نزفها إلى كل من يجهل حقيقة البعث وينكر هذه الحقيقة التى لاريب فيها .
قال سبحانه : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(259) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة : 259-260 ].يقول أهل التفسير :
مر العـُـزير علــى قرية بيت المقدس وقد دمر القرية بختنصر وأصبحت لا مظهر فيها لأسباب الحياة فوقف العزير أمام هذه القرية متأملاً متدبراً ثم قال كيف يحى اللـه هذه القرية بعد موتها ؟!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   11/11/2008, 10:57 pm

كيف يبعث اللـه جل وعلا هؤلاء الأموات ؟!! وكيف يعيد الحياة إلى هذه القرية الخاوية ؟!! فأماته اللـه مائة سنة ثم بعثه ، وخاطبه بواسطة الملك قال : ياعزير كم لبثت ؟!! فوجد العزير الشمس تميل إلى الغروب فظن أنها شمس اليوم الذى نام فيه فقال : لبثت يوماً أو بعض يوم قال : ياعزير لقد لبثت مائة سنة ، كيف ذلك ؟!!
انظر إلى وجهى المقارنة الثابت ، والمتحرك ، انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه أى لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته .
فكر فى هذا جيداً لتعلم أن الملك على كل شىء قدير .. انظر إلى حمارك فإذا به قد بلى وتحول إلى عظام رميم فأمر اللـه جلا وعلا أن يحيى هذا الحمار أمام عينه وبين يديه ليجعله برهاناً دامغاً للناس جميعاً على أن اللـه على كل شئ قدير ، أمر اللـه تعالى الأرض أن تجمع العظام ، فجاءت العظام من هنا ومن هناك بعدما صارت رميم فالتئمت واكتملت وصار كل عظم إلى جوار العظم الذى يليه فتركبت العظام وأصبح الحمار هيكلاً عظمياً فقط بين يدى العزير وعلى الفور أمر اللـه جل وعلا أن تكسى العظام باللحم وبالتوالى أمر أن يكسى اللحم بالشعر ، وفى التو أمر اللـه الملك أن ينفخ الروح فنهق الحمار بإذن اللـه سبحانه الذى أحيى العظام وهى رميم !! هذه هى طلاقة القدرة التى انفرد بها الواحد الفرد الصمد !!
فنظر العزير إلى هذه وقال: { أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
وإبراهيم الخليل عليه السلام قال : رب أرنى كيف تحى الموتى بعد هلاكها ؟!! قال أولم تؤمن ياإبراهيم ؟! قال بلى يارب ولكن ليطمئن قلبى قال : ياإبراهيم خذ أربعة من الطير اذبحهن وعلمهن واخلط العظم مع اللحم مع الريش ؟ وخذ كوماً من لحم وعظم وريش مخلوط وممزوج وضع كل جزء من الخليط هذا على رأس جبل .
قال الحافظ ابن كثير رحمه اللـه تعالى: وجعل إبراهيم رؤوس الطيور فى يديه ثم وقف إبراهيم عليه السلام ونادى على هذه الطيور فجاءت تسعى إلى إبراهيم ولم يأتى طيراناً لينظر إبراهيم بعينه وليطمئن أنه هو بعينه الذى ذبحه وعلمه بيده حتى جاء كل طير إلى إبراهيم .
يقول الحافظ : فكان إبراهيم إذا قدم رأساً لطائر ليست رأسه أبى فإذا قدم الرأس لجسدها التأم الرأس فى الجسد بإذن اللـه .
{ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
قدرة اللـه لا تحدها حدود .. قدرة اللـه ليس لها نهاية .. قدرة اللـه، العقل قاصر عن إدراك حدودها .
ولقد ذكر اللـه مثالا ثالثاً سنختم به هذا العنصر الهام .
ذكر اللـه أصحاب الكهف الذين لبثوا فى كهفهم موتى ثلاث مائةٍ سنين وازدادو تسعة { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَبًا(9)إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا(10)فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11)ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } [الكهف : 9-12]
اللـه أكبر ... أماتهم اللـه هذه السنوات ثم بعثهم ليجعلهم آية للناس إنه جل وعلا على كل شىء قدير .
أيها الأخيار : إن من كَلَّف عقله ليصل إلى حدود قدرة اللـه كالذى كلف نملة أن تنقل جبلاً من موضعه إلى موضع آخر .
قل للطبـ‎يب تخطفتـه يد الردى
قل للمريض نجا وعوفى بعدما
قل للصحيــح مات لا من علة
بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام
بل سائل البصير كان يحذر حفرة
وسل الجنين يعيش معزولا بـلا راع
وإذا الوليد بكى وأجهـش بالبكاء
وإذا تــرى الثعبان ينفـث سمه
وسله كيف تعيـــش ياثعبان
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت
بل سـائل اللبن المصفى كان بين ياشافـى الأمراض من أرداك ؟!
عجزت فنون الطب من عافاك ؟!
من ياصحيح بالمنايا دهاك ؟!
بلااصطدام من ياأعمى يقود خطاك؟!
فهوى بها من ذا الذى أهـواك ؟!
ولا مرعى من ذا الذى يرعاك ؟!
لدى الولادة من ذا الذى أبكاك ؟!
من ياثعبان بالسموم حشاك ؟!
أو تحيى وهذا السم يملأ فاك ؟!
شهداً وقل للشهد من حلاك ؟!
فرثٍ ودمٍ مــن ذا الذى صفاك ؟!
أإله مع اللـه !! أإله مع اللـه !! أإله مع اللـه !!
لا إله إلا اللـه ، ولا رب غيره ، ولا معبود بحق سواه
وأقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه ، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة وكشف اللـه به الغمة ، فاللـهم أجزه عنا خير ما جزيت به نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته وصل اللـهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد :
أحبتى فى اللـه :

ثالثاً : من مات على شىء بعث عليه

أخى فى اللـه مرة ثانية أعرنى قلبك وسمعك فإن الموضوع من الأهمية والخطورة القصوى بمكان .
فلقد ورد فى حديث فى صحيح مسلم أن النبى  قال :
(( يبعث كل عبد على ما مات عليه )) ( ) .
ياعبد اللـه ستبعث على أى هيئة مت عليها فإن كنت من السعداء مت على طاعة ستبعث يوم القيامة عليها ، وإن كنت من الأشقياء مت على معصية ستبعث عليها يوم القيامة .
اللـه أكبر ...
هناك من يبعث والنور يشرق من وجهه ، ومن أعضائه ، وعن يمينه ، ومن بين يديه قال تعالى : { يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ التحريم : 8 ] .
ورد فى الأثر الذى أورده السيوطى فى الدر المنثور وعزاه السيوطى لابن
أبى حاتم وابن المنذر وابن مردويه وروى الحاكم الأثر فى المستدرك وصححه على شرط الشيخين وتعقب الحاكم الذَّهبى وقال : بل هو صحيح على شرط البخارى ، أن عبد اللـه بن مسعود رضى اللـه عنه قال : " منهم من يكون نوره كالجبل ومنهم من يكون نوره كالنخلة ، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم ، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يوقد مرة ويطفأ مرة ، ومنهم من تحيط الظلمة به من كل ناحية " .
{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } [ الحديد : 13] .
ينادى أهل الظلمات أهل الأنوار : ياأهل الأنوار انتظرونا ، لاتتركونا فى هذا الظلام الحالك الدامس !! ألم نكن معكم ؟ ألم نصلى معكم صلاة الجماعة؟ ألم نشهد معكم الغزوات ؟ { قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [ الحديد : 14 ] .
(( ومنهم من يبعث فينطلق إلى أرض المحشر صرخ بأعلى صوته لبيك اللـهم لبيك )) من هذا ؟‍
هذا من مات بلباس الإحرام فى الحج والعمرة يبعث به ملبياً يوم القيامة ففى الصحيحين عن عبد اللـه بن عباس رضى اللـه عنه قال : بينما رجل واقف مع النبى  بعرفة ، إذ وقع من راحلته - قال أيوب : فأوقصته فذكر ذلك للنبى فقال : (( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثوبين ولا تحنطوه ، ولا تخمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً )) ( ) .
(( ومنهم من يخرج منه دم اللون لون الدم ، والريح ريح المسك )) .
من هؤلاء يارسول اللـه قال : (( هم الشهداء فى سبيل اللـه )) .
يقول  : (( والذى نفسى بيده لا يكلم أحد فى سبيل اللـه واللـه أعلم بمن يكلم فى سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والعرف عرف المسك )) ( ) .
أحبتى فى اللـه :
نحب أن ننوه إلى أنه قد يظهر أمام الناس شخص قتل فى غزوة أو معركة ويقال أنه شهيد وأنه ليس كذلك ! .. لماذا ؟!
لأنه لا يعلم السر وأخفى إلا اللـه ، فلا تحكم لأحد بالشهادة الجازمة فى الدنيا ، لذا لا يقال : الشهيد فلان ، ولكن قل نرجو اللـه أن يتقبله عنده فى الشهداء ومن يعلم النيات غير اللـه !!
ومنهم من يبعث وبطنه منتفخة لا يقوى على القيام بل ولا يستطيع الجلوس يتخبط عن يمينه وعن شماله يتكفأ على وجهه ،من هؤلاء ؟!
هؤلاء هم أكلة الربا :
قال اللـه تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [ البقرة : 275 ] .
انظروا معى إلى المشهد الآخر ...
رجل يسير فى أرض المحشر ومن حوله مجموعة من الأطفال الصغار هذا يتعلق بيده وهذا يتعلق بقدمه !! وهذا يجره جراً وهذا يدفعه دفعاً !! مشهد رهيب .. مَنْ هذا ؟! مَنْ هؤلاء ؟!...
هذا هو آكل أموال اليتامى بالباطل وهؤلاء هم اليتامى !!
{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } . [ النساء :10 ] .
ومنهم من يبعث من النساء وعليها جلباب من لعنة اللـه ودرع من النار وقد وضعت يدها على رأسها وهى تسير على أرض المحشر وتقول : ياويلاه... ياويلاه .... أتدرون من هذه ؟!
قال رسول اللـه  إنها النائحة .. النائحة هى التى تسير خلف الجنازة تبكى وتصرخ وتلطم وجهها وتشق جيبها وتضع التراب على رأسها وتقول.. ياويلاه !!... ياويلاه !!
ومنهم من يبعث وفى يده كأس الخمر ..
ومنهم من يبعث وهو يحمل على كتفه ماسرقه فى الدنيا .
قال تعالى : { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }
[ آل عمران : 161 ] .
قال الحافظ بن كثير : لقد أجرى اللـه الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شىء مات عليه ، ومن مات على شىء بعث عليه .
فإن أردت أخى الحبيب أن تبعث على طاعة فأطع اللـه جل وعلا فى دنياك ، وإن زلت قدمك فى معصية فاحدث بعد المعصية توبة ، فإذا ما جاءك ملك الموت وأنت على طاعة . قبضك وأنت على ذات الطاعة . وحشرت يوم القيامة فى زمرة الطائعين تحت لواء سيد النبيين وقائد المرسلين محمد بن عبد اللـه  .
وأختم حديثى معكم عن هذا العنصر بهذين المشهدين اللذين يخلعان القلوب .
شاب أمريكى من أصل أسبانى ، دخل على إخواننا المسلمين فى إحدى المساجد فى نيويورك فى مدينة "بروكلين" بعد صلاة الفجر وقال لهم أريد أن أدخل فى الإسلام ، قالوا : من أنت ؟ قال دلونى ولا تسألونى فاغتسل ونطق بالشهادة ، وعلموه الصلاة فصلى بخشوع نادر احتقر رواد المسجد جميعاً أنفسهم أمام خشوع وسجود وبكاء هذا الشاب وتعجبوا لحاله .
وفى اليوم الثالث خلى به أخ مصرى ذكى واستدرجه وقال : ياأخى باللـه عليك ما حكايتك ؟ قال واللـه لقد نشأت نصرانياً وقد تعلق قلبى بالمسيح عليه السلام ولكننى نظرت فى أحوال الناس فرأيت الناس قد انصرفوا عن أخلاق المسيح تماماً فبحثت عن الإسلام وقرأت عنه فشرح اللـه صدرى للإسلام ، ولكننى فى الليلة التى دخلت عليكم فيها نمت بعد تفكير عميق وتأملت فى البحث عن الحق فجاءنى المسيح عليه السلام فى الرؤيا وأنا نائم وأشار لى بسبابته هكذا ، وقال لى : كن محمدياً .
يقول : فخرجت أبحث عن مسجد فأرشدنى اللـه إلى هذا المسجد فدخلت عليكم وبعد هذا الحديث القصير أَذَّنَ المؤذن لصلاة العشاء ودخل هذا الشاب الصلاة مع المصلين ، وسجد فى الركعة الأولى ، وقام الإمام بعدها ولم يقم أخونا المبارك بل ظل ساجداً لله فحركه من بجواره فسقط فوجدوا روحه قد فاضت إلى اللـه جل وعلا . اللـه أكبر
واستحلفك باللـه ياأخى فى اللـه أن تتأمل طويلا فى هذه الخاتمة .
وهذه أخت من مدينة السويس عادت مع زوجها بعد رحلة الحج فى الباخرة سالم اكسبريس ، وصرخ الجميع فإن الباخرة تغرق ، وصرخ زوجها هيا اخرجى فقالت : واللـه لن أخرج حتى ألبس حجابى كله فقال : هذا وقت حجاب ! اخرجى ! فإننا سنهلك !! قالت : واللـه لن أخرج إلا وقد ارتديت حجابى بكامله فإن مت ألقى اللـه على طاعة . فلبثت ثيابها وخرجت مع زوجها . فلما تحقق الجميع من الغرق تعلقت به وقالت استحلفك باللـه هل أنت راضٍ عنى ؟ فبكى . قالت هل أنت راضٍ عنى ؟ فبكى . قالت أريد أن أسمعها قال واللـه إنى راضٍ عنك فبكت المرأة التقية الشابة فى ريعان شبابها وقالت : أشهد أن لا إله إلا اللـه وأشهد أن محمداً رسول اللـه ، وظلت تردد الشهادة حتى غرقت فبكى الزوج وهو ويقول : أرجو من اللـه أن يجمعنا بها فى الآخرة فى جنات النعيم .
وها هو رجل عاش أربعين سنة يؤذن للصلاة لا يبتغى إلا وجه اللـه ، وقبل الموت مرض مرضاً شديداً فأقعده فى الفراش ، وأفقده النطق فعجز عن الذهاب إلى المسجد ، فلما اشتد عليه المرض بكى وقال فى نفسه : يارب أأذن لك أربعين سنة وأنت تعلم أنى ماابتغيت الأجر إلا منك ، وأحرم من الآذان فى آخر لحظات حياتى . يقسم أبناءه أنه لما حان وقت الآذان وقف على فراشه واتجه للقبلة ورفع الآذان فى غرفته وما إن وصل إلى آخر كلمات الآذان لا إله إلا اللـه خر ساقطاً على الفراش فأسرع إليه بنوه فوجدوا روحه قد فاضت إلى مولاها .
إنما الأعمال بالخواتيم .
وهذا شيخنا المبارك عبد الحميد كشك رحمه اللـه يقبض فى يومٍ أحبه من كل قلبه فى يوم الجمعة يغتسل ، ويلبس ثوبه الأبيض ، ويضع الطيب على بدنه وثوبه ويصلى ركعتى الوضوء ، وفى الركعة الثانية وهو راكع يخر ساقطاً فيسرع إليه أهلـه وأولاده ، فوجدوا أن روحه قد فاضت إلى اللـه جل فـى علاه . لقد أجرى الكريم عادته بكرمه . أن من عاش على شىء مات عليه .
ومن مات على شىء بعث عليه .
أسأل اللـه العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا . إنه ولى ذلك والقادر عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   12/11/2008, 12:16 pm

مشكوووووووووووور اخى الكريم
هذا المجهود الطيب
بارك الله فيك وجعله فى ميزان حسناتك

اسجل متابعتى .. وفى انتظار القادم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )   13/11/2008, 12:02 am

مجئ الرب جل جلاله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . [ آل عمران - 102 ] .
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللـه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللـه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } . [ النساء -1 ] .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُـوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُـمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَـنْ يُطِـعِ اللـه وَرَسُولَـهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزًا عَظِيمًا } . [ الأحزاب -70 ، 71 ] .
أما بعـــد ...
فإن أصدق الحديث كلام اللـه وخير الهدى هدى محمد  وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار ثم أما بعد
أحبتى فى اللـه :
هذا هو لقاءنا الثانى عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة وكنا قد توقفنا فى اللقاء السابق مع البشرية كلها ، وهى فى أرض المحشر وقد أصابها من الكرب ، والهم ، والغم مالا يستطيع بليغ على وجه الأرض أن يجسده ، الشمس فوق الرؤوس تكاد تذيب الجماجم بل والعظام ، والزحام وحده يكاد يخنق الأنفاس ، فالبشرية كلها منذ أن خلق اللـه آدم إلى آخر رجل قامت علية الساعة تقف فى موقف واحد فى أرض واحدة .
العرق يكاد يغرق الناس كلُُ بحسب عمله فى عرقه ، والأهوال تزداد شدة عندما يُأْتَى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ، يُأتى بها إلى أرض المحشر فإذا ما رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب ربها جل وعلا ، حينئذ تجثوا جميع الأمم على الركب من هول الموقف ، بل ولا يتكلم يومها إلا الأنبياء ودعوتهم يومئذ اللـهم سلم سلم !! اللـهم سلم سلم !!!
ويزداد الكرب والهم على الخلق فيقول بعضهم لبعض ألا ترون ما نحن
فيه ألا ترون ما قد بلغنا ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ، ويذهبون إلى صفوة اللـه من خلقه إلى الأنبياء والمرسلين فيقول كل نبى : إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ثم يقول كل نبى نفسى ، نفسى ، نفسى !!! إلا المصطفى  محمد بن عبد اللـه إنه التجارة الرابحة .. إنه صفوة اللـه من خلقه .. ، وأكرم الخلق على اللـه .
يقول الحبيب : فيأتونى فيقولون يارسول اللـه ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ ! ألا ترى ما قد بلغنا ؟ ! ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ !
فأقوم وأقول : أنا لها ، أنا لها ، ويخر ساجداً تحت عرش الرحمن جل جلاله ويثنى على اللـه سبحانه وتعالى بمحامد لم يفتح اللـه به على أحد من قبله فينادى عليه ربه ويقول : يامحمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع فيقول المصطفى  : يارب .. أمتى . أمتى . أمتى .
وفى حديث الصور الطويل الذى خرجناه فى اللقاء الماضى مع حديث الشفاعة الذى ذكرت الآن يقول اللـه جل وعلا لنبيه المصطفى ما شأنك ؟ وهو أعلم ، فيقول الحبيب : يارب قد وعدتنى الشفاعة . فشفعنى فى خلقك ، فأقضى بينهم ، فيقول اللـه جل جلاله : قد شفعتك ، أنا أتيكم لأقضى بينكم . فيرجع الحبيب المصطفى  ليقف مع الناس فى أرض المحشر لينظروا جميعاً مجئ الرب جل جلاله لفصل القضاء بين العباد
وهذا هو لقاءنا مع حضراتكم فى هذا اليوم المبارك ، وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً فسوف أركز الحديث مع حضراتكم فى العناصر التالية .
أولاً : مجئ الرب جل جلاله .
ثانياً : أول من يكلمهم اللـه يوم القيامة .
ثالثاً : العرض على اللـه جل وعلا وأخذ الكتب .
فأعيرونى القلوب والأسـماع فإن هذه الكلمات تكاد تخلع القلوب ورب الكعبة .

أولاً : مجئ الرب جل جلاله

أحبتى فى اللـه :
هل منكم من أحد قد حضر يوماً محكمة من محاكم الدنيا ؟ !
يوم يأتى بالمتهمين ليقفوا وراء هذا القفص الحديدى وفجأة وقد امتلأت قاعة المحكمة بأهل المتهمين وبالمحامين ، يدخل القضاة ليجلسوا على منصة القضاء ويصرخ الحاجب (( محكمة )) فَتَصْمُت الأنفاس ، وتتقطع وتكاد القلوب أن تقفز من الصدور ، ويبدأ المحامون فى المرافعات ، والمجادلات والمعازير وتسمع هيئة القضاء ، ويردون ، ويترافعون ، ويتناقشون ثم يسدل الستار على هيئة القضاء ليتناقش القضاة فى إبرام الحكم وفى النطق به ، وفى المرة الثانية يدخل القضاة ليصدروا الحكم فى هذه القضية .
أسألك باللـه انظر إلى وجوه الناس فى قاعة المحكمة .
العيون تبكى .. والقلوب تكاد تقفز من الصدور .. والأنفاس متقطعة الكلام همس .. والسؤال تخافت .. الكل ينظر بأى شئ سيحكم ؟!! وما الذى سينطق به القاضى ؟! وهو العبد الحقير الفقير إلى اللـه الملك القدير .
تصور هذا المشهد الذى يكاد يخلع القلب بل تكاد القلوب أن تقفز إلى الحناجر لتقف على حجم الهول والخلق جميعاً فى أرض المحشر ومن بينهم الأنبيــاء يقفــون وينظرون إلى السماء وهم ينظرون مجئ الملك العدل جل جلاله
يقول الحق جل وعلا :
{ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا(108)يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا(109)يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا(110)وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}
[ طه : 108 - 111 ] .
تنشق السماء وينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من فى الأرض من الإنس والجن .
قال اللـه تعالى :
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا} [الفرقان:25].
يقول ابن عباس : ينزل أهل السماء الأولى من الملائكة بضعف من فى الأرض من الجن والإنس فتحيط الملائكة بالخلائق فى أرض المحشر ، فإذا ما نظـرت الخـلائق إلـى الملائكـة قالـوا أفيكـم ربنـا ؟! فتقـول الملائكة : لا وهو آت .
قال اللـه تعالى :
{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } [ البقرة : 210 ].
ويقول الحق سبحانه { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ }
[ الفجر : 22 - 26 ] .
اللـهم سلم سلم .. اللـهم سلم سلم ياأرحم الراحمين .
يأتى الحق جل وعلا إتياناً يليق بكماله وجلاله .
لا تعطل صفة المجىء ولا تكيف صفة المجئ ، ولا تشبه صفة المجئ ، ولا تشبه اللـه بأحد من خلقه ، فكل ما دار ببالك ، فاللـه بخلاف ذلك .
جل ربنا عن الشبيه والنظير وعن المثيل ، لا ند له ، ولا كفء له ، ولا شبيه له ، ولا صاحبة له ، ولا ولد له { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [ سورة الاخلاص ] .
قال جل جلاله { الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوىَ } [ طه : 5 ] .
استوى كما أخبر وعلى الوجه الذى أراد وبالمعنى الذى قال . استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال
فلا العرش يحمله ولا الكرسى يسـنده بل العرش وحملته والكرسى وعظمته
الكـــل محمول بلطــف قـدرته مقهور بجلال قبضتـــــــه
.. سبحانه وتعالى . فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة .
قال جل جلاله : { لَيسَ كَمثْلِهِ شَئٌ وَهُو السَّمِيعٌ البَصِيرٌ } [ الشورى : 11 ] .
قال جل جلاله : { وِلا يُحيطُونَ بِهِ عِلمًا } [ طه : - 110 ] .
قال جل جلاله : { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ } [ النحل : 74 ] .
{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ } :
ثم يتنزل أهل السماء الثانية من الملائكة بضعف من فى الأرض من ملائكة السماء الأولى والجن والإنس فيحيط أهل السماء الثانية بأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن .
وهكذا أهل السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة على قدر ذلك من التضعيف .
ثم يتنزل حملة عرش الملك جل وعلا وهم يحملون العرش يسبحون اللـه سبحانه ويقولون : سبحان ذى الملك والملكوت .. سبحان ذى العزة والجبروت .. سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت . سبوح قدوس .. قدوس .. قدوس .. رب الملائكة والروح .
اسمع لربك جل وعلا وهو يقول :
{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ(13)وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(14)فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(15)وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ(16)وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } [ الحاقة : 13،18 ] ويضع الحق جل جلاله كرسيه حيث شاء من أرضه ويقول : يا معشر الجن والإنس إنى قد أنصت إليكم منذ خلقتكم ، أسمع قولكم ، وأرى أعمالكم ، فأنصتوا اليوم إلىّ ، فإنما هى أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم فمن وجد خيراً فليحمد اللـه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .
ثم يقول الحق جل جلاله : {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(63)اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(64)الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[ يس : 60 - 65 ]
.
أتدرون من هم أول من يكلمهم اللـه فى هذا الموقف العصيب ؟ !!
هذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء .

ثانياً : أول من يكلمهم اللـه جل وعلا

أول من يكلمه اللـه جل وعلا يوم القيامة فى هذا الموقف العصيب هو آدم عليه السلام ينادى عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سلسله خطب للشيخ محمد حسان (1 )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الطريق إلي الإسلام :: القسم الأسلامي :: التعريف بالأسلام-
انتقل الى: